من مسلسل رجل الرمل - IMDB- برخصة المشاع الإبداعي

رجل الرمل.. الحلم لإنقاذ البشرية

منشور الخميس 8 ديسمبر 2022 - آخر تحديث الخميس 8 ديسمبر 2022

لطالما توقفت صغيرة أمام أسباب النوم. لماذا ننام؟ وما الذي تحققه البشرية أثناء غيابها اليومي؟ أسئلة عندما أعود إليها وأنا أكبر سنًا، أدركُ أن الاستهلاكية أقنعتنا بأن اليقظة والعمل هما الفعلان الوحيدان، بينما النوم والراحة والأحلام مضيعة للوقت.

ربما يبدو مورفيوس دامي القلب، وهو يرى تلك القناعة راسخة في وجدان البشر اليوم، لكنه لم يتخل عنا رغم ذلك.

مورفيوس، أو إله الأحلام في ميثولوجيا الإغريق والرومان، هو ابن هايبنوس إله النوم، ويُعرف مثل أبيه برجل الرمل، لأنه حسب الأسطورة ينفخ الرمال في عيون البشر ليناموا ويحلموا، لكنه في مسلسل نايل جايمان "رجل الرمل"، يملك أبعادًا أكثر عمقًا مما تمنحه الأساطير.

يقوم نص جايمان، الذي بدأه منذ ثلاثين سنة على هيئة كوميكس قبل أن تحوله نتفليكس إلى مسلسل، على أسرة مفككة من سبعة آلهة/ إخوة، وحيث إن الآلهة ينتهون حين ينساهم الإنسان، فسبعة جايمان غير المنتهين لا يعتمدون على ذاكرة البشر، لأنه ببساطة لا يمكن نسيانهم ولا يمكن استمرار العالم من دونهم، فهم: الحلم، والموت، والرغبة، واليأس، والقدر، والتشتت، والهذيان.

من الورق إلى الشاشة

تبدأ الأحداث في رجل الرمل، بخروج إله الأحلام من أسرٍ استمر مئة عام، ليلملم بإطلاق سراحه شتات عالم الأحلام الذي تدهور بحبسه، ولكنه يكتشف أن أمورًا كثيرة اختلت في غيابه، ما يتطلب إعادة لكثير من الحسابات وينتج عنه أحداث كثيرة مشوقة.

تلك الحبكة سواء في المكتوب أو المرئي اللاحق، مكنت نيل جايمان، صاحب الدراية الوافرة بميثولوجيا الحضارات القديمة، من خلق شخصيات ذات صفات قد تختلف عن تناولها في الأساطير، مثل الموت، الذي يصف صورته في نصه المرئي (تؤده كيربي هويل) "الموت رائعة للغاية في رجل الرمل، لأنني خلقت الموت الذي أريد أن أقابله في النهاية عندما تنتهي حياتي. الموت العملي، الحساس، الذي قبل كل شيء طيب".


بدأ عرض رجل الرمل (موسم واحد من 10 حلقات)، على منصة نتفيلكس في أغسطس/ آب الماضي، وحصد نجاحًا ربما لم يلقه أي من إنتاجات نتفليكس الأخرى حتى وقت صدوره، حسبما أوضح حساب الشبكة على انستجرام.

ذلك النجاح الذي راهنت عليه الشبكة من قبل عرض المسلسل، هو ما جعلها تُحضِّر حلقة إضافية، من قصتين منفصلتين، لتعرض بعد أسبوعين من إتاحة المسلسل للعرض الأول (تعرض نتفيلكس حلقات أعمالها كاملة وليس حلقة بحلقة)؛ القصة الأولى هي حلم ألف قطة، التي أخرجت في صورة أفلام التحريك، بينما قام ممثلو العمل بالأداء الصوتي، ومنهم نايل جايمان نفسه، والثانية كانت عن علاقة كاليوبي، الإلهة الإغريقية، برجل الرمل.

هذا الشكل من العرض؛ الحلقات الإضافية، هو نمط لم تعتده نتفليكس في أي من أعمالها السابقة حتى الناجح منها، وربما كان الهدف منه أن يبقى رجل الرمل في صدارة المشاهدات لأطول فترة ممكنة.

لكن لماذا يحظى عمل مأخوذ عن سلسلة مصورة نشرت بالكامل بالرواج، رغم أن أحداثه قد تكون معروفة سلفًا؟

الحقيقة أن سلسلة رجل الرمل التي استهلكت ثلاثة آلاف صفحة خلال ثلاثة عقود ظهر فيها على الورق، لم تكن الأشهر أو الأكثر مبيعًا بين سلاسل أبطال الكوميكس المشهورين مثل باتمان أو غيره، ورغم ذلك لم يتعجل جايمان أبدًا في الموافقة على تحويله إلى الشاشة، أو يقبل بأي عرض لذلك بدعوى الترويح إلى عمله، وإنما صبر وعمل كثيرًا حتى يظهر نصه البصري الذي شارك في كتابة السنياريو له بذلك الشكل.

في إحدى اللقاءات التلفزيونية التي أجريت بعد عرض المسلسل، وجهت المذيعة سؤالًا لمبدع السلسلة، إن كان ما ظهر على الشاشة هو رجل الرمل الذي ابتكره لأول مرة قبل 30 سنة، ليبادرها بالرد سريعًا "قضيت 30 عامًا أحارب نسخًا سيئة من سناريوهات رجل الرمل، وها نحن هنا أمام هذا العمل، وأنا أشعر بالفخر".

ويضيف "وأنا أبصره على الشاشة؛ أرى كم كان من المستحيل أن نصل إلى هذا، وأعتقد أن السبب وراء وصولنا لتلك النتيجة، أنني لم أخبر أحدًا أنه كان من المستحيل أن نحققه، فعملوا وكأنه ممكنًا. وها هو أمامنا، رجل الرمل الذي كتبته".

الطريف أن جايمان الذي قرأ، حسب وصفه، عددًا مهولًا من سناريوهات سيئة مقتبسة من نصه، كان أحيانًا يضطر إلى تسريبها للصحافة بشكل سري حتى تتهكم عليها وتقتلها من البداية.

مورفيوس يواجه مورفيوس 

استغرق الإعداد للمسلسل 18 شهرًا، ذهب 8 منها في أعمال الكاستنج خصوصًا دور مورفيوس، الذي اختير لتأديته توم ستوردج من بين ألف شخص تقدموا لتجارب الآداء، لكن الجائحة أطالت فترة انتظار تنفيذ المسلسل إلى عامين ونصف آخرين، ما جعل نتفيلكس تدفع لتوم مقابل ألا يبدأ في أي عمل جديد حتى انطلاق التصوير.

وبسبب ذلك التفرغ الطويل، انتهز ستوردج الإغلاق خلال فترة الوباء ليطلع على السلسلة كاملة، التي قرأ منها حسب تأكيده ألفين وخمسمائة صفحة لأكثر من مرة، حتى صار واحدًا من معجبي رجل الرمل، ما جعله في غاية التوتر في اليوم الأول لتصويره لأنه أراد أن يؤدي مورفيوس بشكل مثالي وألا يخذله، وحين سُئل توم ستوريدج بعدما انتهى من المسلسل عما يراه شخصيًا في أحلامه، قال "أصبحت مهووسًا بأن أقابل مورفيوس".


بين العلم والميثولوجيا

هل قد يظهر رجل الرمل حقًا في الأحلام؟ أو بصياغة أخرى إلى أي مدى تشكل الأحلام وعينا للحد الذي يلقى عملًا فني عنها ذلك القبول والتأثير؟

يأخذ عالم النفس والمحلل الشهير كارل يونج الأحلام على محمل الجد، ويعدّها حقائق مختصة بذاتها، بل إن أحلامه الشخصية هي ما دفعته ليكون محللًا نفسيًا.

الأحلام وفق مفهوم يونج هي المعلومات/الرسائل التي يريد العقل اللاواعي أن يخبرنا بها، والتي أحيانًا ما تكون صعبة التفسير، لأنها عادة ما تستخدم الرموز، حيث إن العقل اللاواعي للإنسان أذكى من أن يضيع الوقت ويخبرك بالمعلومة التي تعرفها بالفعل.

اللاوعي الجمعي للإنسان، حيث تقع الأحلام في وجهة نظر يونج هو لاوعي مشترك للإنسانية، وعالم الأحلام وفقه عالم حقيقي، ولكن بأبعاد مختلفة عن عالم الاستيقاظ، لذا نحتاج لتفسير أي حلم إلى معرفة كافية عن الشخص وعن خلفيته النفسية، وهذا إلى حد كبير ما كان يقدمه مورفيوس، فرغم امتلاكه الكوابيس، فإنه كان يرسلها لبشر بعينهم بما يتناسب مع شخصياتهم ومخاوفهم.

يؤمن مورفيوس أن الأحلام ضرورية لاستمرارية البشرية، ولكن يجب ألا يضيع فيها المرء نفسه، فهي وإن كانت رسائل للحالم، لا يجب أن يبقى فيها أكثر من اللازم؛ في إحدى حلقات المسلسل عندما تتحول إحدى كوابيسه إلى حلم جميل ليساعد طفل كي يهرب من حياته التعيسة، يوقفه مورفيوس بحزم لأن أرض الأحلام ليست مكانًا للهرب من المواجهة.

الكوابيس عادة في علم النفس هي مخاوف يحاول اللاوعي أن يضعنا أمامها لنعالجها، وهذا ما قدمه أيضًا المسلسل من تأويل، فليس الهدف منها تعذيب البشرية، ولكنها رسالة للحالم ليعمل على مخاوفه فيتحرر منها.

يرى روبين نومين باحث النوم في مقال بحثي، أن الاستهلاكية والتلوث الضوئي أثرا على النوم، ومنه على البشر في حيواتهم اليومية، نومين يرى أن النوم نشاط بشري لا يجب أن يتقيد بأوقات معينة ولا بأصوات منبهات، وأن عدد ساعات النوم تختلف من شخص لآخر، وأن الخلل بعالم النوم والأحلام هو أيضًا خلل بعالم اليقظة.

غير أن خلل النوم ليس هو الخطر الوحيد الذي يهدد عالم الأحلام، فالحلم الواعي هو أيضًا شكل من أشكال ذلك الخطر؛ وضع جايمان في نصه فتاة تستطيع الدخول إلى أحلام الآخريين وتغييرها، لكن كان عليها أولًا أن تسقط الحوائط بين عالم الأحلام وعالم اليقظة.

الحلم الواعي هو في الأساس طريقة توصل إليها بعض علماء النفس للسيطرة على اضطرابات النوم والكوابيس، فمن خلال تكنيك معين يستطيع النائم أن يعرف أنه يحلم وعليه يستطيع أن يغير في حلمه كيفما يشاء، لكن هناك أعراضًا جانبية لذلك، منها أن يفقد الشخص قدرته على التمييز بين أنه مستيقظ أم نائم.

ربما يرى المثل الشهير أن نوم الظالم "عبادة"، لأنه إن نام توقف ولو لساعات عن ظلمه للبشر، ولكن ماذا لو استغرق الإنسان أطول من اللازم في النوم؟ ربما يفقد العالم شخصًا مهمًا، أو بسيطًا ولكن يؤثر وجوده في حياته أو حياة الأخرين؛ في المسلسل، وبعدما تغيّب مورفيوس عن دوره لأسباب قهرية، خلدت مجموعة للنوم ولم تستيقظ لسنوات، بينما عانى البعض من أرق مزمن، وكلهم أثروا بشكل أو بآخر على مسار البشرية.

ربما أكثر شيء يتفق عليه نص جايمان والواقع، أن فعل الحلم مستمر، سواء صدقناه أم لا، فالحلم لا يعتمد على المؤمنين به، فهو لا ينتهي ووجوده لا يتوقف على إدراك الشخص له، كذلك فإن هوس السيطرة عليه لابد أن ينتهي بمشاكل أكثر في عالم اليقظة.