فوضى القاهرة - توماس مارتن سميث

غناء في هجاء المدن

القدوم إلى المدن الكبرى يقود إلى نتيجة واحدة "تبيع ماضيك وتشتري كدب الحياة".

بحثًا عن حياة كريمة، يزحف الآلاف يوميًا من القرية إلى المدينة. يخوضون سباقًا ضاريًا لإثبات تفوقهم وأحقيتهم بالاستمرار فيها.

يتوازي مع هذا السباق الظاهر صراع آخر ربما يكون أشد ضراوة وعنفًا، لكنّه صراع داخلي لا يخرج إلى العلن إلا قليلًا. صراع بين الهدوء والصخب، بين السعة والضيق، بين البراءة والعفوية من جانب والتكلف والاصطناع على الجانب الآخر. صراع بين الطبيعة الساحرة والكتل الأسمنتية المتجاورة. والمدينة في صراعها هذا تكون غالبًا الطرف الأقوى الذي يأبي الهزيمة. ويأبي إلا أن يرضخ له أي وافد، مهما بلغت قوته أو ثراؤه.

هذا الصراع كان محورًا لمجموعة من الأغاني التي حاولت وصف معاناة الوافدين إلى المدن، وشعورهم بالقسوة والغربة وحنينهم الجارف إلى ديارهم حيث نشأوا وقضوا سنوات طفولتهم ومراهقتهم.

يعرض هذا التقرير مجموعة من الأغاني التي تطرقت لهذا لصراع المحتدم والمستمر بين المدينة والقرية، أو بين المركز والأطراف :

اقرأ أيضًا: القاهرة.. شيء يشبه قصة الحب

"حزنها غير حزننا"

في ألبومه الثالث "شبابيك" قدم محمد منير واحدة من أهم الأغاني التي تتحدث عن المدينة وقسوتها. حملت الأغنية اسم "ع المدينة"، كتب كلماتها عبد الرحيم منصور، ولحنّها أحمد منيب، ووزعها يحيى خليل.

كلماتها تعبر عن مزيج قاسٍ من الانخداع والاغتراب، وما ينتج عنهما من كراهية للمدينة وكل ما تمثله؛ فمنذ الكلمة الأولى تشعر أن هناك محاولة للخداع؛ "لفوا بينا قالوا لينا/ قالوا بينا ع المدينة".

وكأن هناك مجموعة من البشر تحاول إغواء مجموعة أخرى ليرحلوا إلى المدينة، وهذا المعنى جعل البعض يقول إن الأغنية تخص قضية التهجير النوبية، حين هُجِّر النوبيون من ديارهم في منتصف الستينيات لبناء السد العالي، وإن كان لهذا التفسير بعض المنطق؛ فإن كلمات الأغنية تصلح للحديث عن ثنائية المدينة والقرية، أو المركز والأطراف بشكل عام.

أجاد عبد الرحيم منصور وصف حالة الاغتراب الكامل عن المدينة. كل شيء فيها غريب وغير ملائم لهؤلاء الوافدين إليها، حتى الحزن غريب "حزنها غير حزننا"؛ لكّن الشاعر أبى أن يظهر هذا الوافد إلى المدينة بصورة المستسلم لها والمنسحق أمامها. منّحه قوة وعزيمة لمقاومتها وعدم الرضوخ لها بشكل تام "مهما تعصري في قلبنا/ مش هيكدب صدقنا".

بمرور الوقت، باءت تلك المحاولات بالفشل. فالمدينة لها أنياب، إما أن تستسلم وترضخ؛ أو ترحل وتعود إلى موطنك مرة أخرى. لذلك كتب في المقطع الأخير "روح يا قمر الليل ونام/ ده السكوت زي الكلام".

اقرأ أيضًا: محمد منير.. سردية نوبية لن تراها فى "المُغَنِّي"


قلب المدينة حجر

يلهو الطفل الصغير ببراءة. يحبُ القمر ويغني للعصافير. سمع كثيرًا عن البندر الذي يختلف تمامًا عن القرية. حنّ إليه ورغب في زيارته، وحين أتيحت له الفرصة كانت المفاجأة؛ اكتشف أن المدينة شديدة القسوة، وجوه أبنائها حزينة، وقلبها جامد كالحجر.

هكذا حاول الشاعر جمال الأقصري وصف الصدمة التي تنتاب الريفيّ البسيط حين يهجر قريته ويذهب إلى المدينة بأضوائها وإيقاعها السريع في أغنية "كنا واحنا صغار" التي لحنها ووزعها وغناها أيضًا حمزة نمرة في ألبومه الأول (احلم معايا) الصادر عام 2008.

سلطت الأغنية بعض الضوء على الأثر الذي تتركه الطبيعة؛ الشجر والطيور وضوء القمر الساطع، في نفوس أبناء القرية. هذا الأثر الذي يمنحهم حنينًا جارفًا إليها كلما طال بقاؤهم بالمدينة بزحامها ومبانيها الشاهقة المرتفعة التي تحاوطهم في كل مكان.

في الأغنية محور آخر يسير جنبًا إلى جنب مع ثنائية الريف والبندر، هو التقدم في العمر والدخول في "الدوامة" على حد وصف الشاعر. فالبطل هنا (المواطن الريفي) لم تصدمه المدينة بقسوتها فقط، لكنّه حين استقر بها وتقدم به العمر؛ زادت أعباء الحياة وتراكمت عليه، وظل يسبح في بحر "لا برّ" له "ولا عوامة" تنقذه من الغرق. وحين خرج من هذه الدوامة اكتشف شيئًا قاسيًا. اكتشف أن "العمر عدّى هَدَر".

اقرأ أيضًا: حمزة نمرة.. العزف على أوتار الاختلاف


والخطوة في زحام المدن لازم تضيع

جريئة وصادمة وقاسية للغاية. هكذا يمكن وصف أغنية "ابن الجنوب" أو "تبيع ماضيك" كما يُطلق عليها البعض.

الأغنية من كلمات الشاعر السكندري أحمد يسري وغنّاها فريق الحب والسلام الذي أسسه الراحل نبيل البقلي. منذ البداية، منذ الكلمة الأولى تشعر أنك أمام أغنية مختلفة. اشتباك جاد مع فكرة الاغتراب داخل المدن الكبرى. وحكم صادم وشديد القسوة "تبيع ماضيك/ تبيع ملامح عايشة فيك/ وتشتري كدب الحياة".

هكذا جاءت البداية، والمُخاطَب بهذه الكلمات تم تحديده بوضوح، لم يترك الشاعر الحبل على غاربه، فكلماته موجهه لـ"ابن الجنوب"، هذا القادم من صعيد مصر إلى العاصمة والمدن الكبرى بحثًا عن لقمة العيش.

ويبدو أن الشاعر حسم موقفه مبكرًا، لا مجال للحديث عن قسوة الغربة أو محاولات الاندماج والتعايش معها، أو عن محاولة الاحتفاظ بالهوية الصعيدية، كل هذا لم يناقشه أساسًا لأن الأمر محسوم منذ البداية؛ القدوم إلى المدن الكبرى يقود إلى نتيجة واحدة "تبيع ماضيك وتشتري كدب الحياة".

هناك أيضًا جرأة لا تخفى في الوصف ربما تكون محل انتقاد من البعض، فحين تحدث أحمد يسري عن قطار الصعيد الذي يحمل الآلاف إلى العاصمة يوميًا. استخدم فعل "يرمي" بما يحمل من معانٍ سلبية. "قطر الصعيد بيرمي ناس كل يوم فوق الرصيف/ بيشدهم صوت الرغيف".

حاول الشاعر أيضًا إغلاق الباب أمام التساؤلات الرافضة لأحكامه القاسية عن المدينة بجملة محكمة، بدت كحقيقة لا تقبل الجدال حين قال "والخطوة في زحام المدن لازم تضيع".

ويبدو أن كل ما ذكره الشاعر من أحكام قاسية ووصف حاد كان بمثابة مقدمة لسؤاله المربك، هذا الذي تكرر كثيرًا "لكن السؤال يا ابن الجنوب/ يا ابن القلوب الطيبين/هي المدن بالنسبة ليك تنفع وطن/أيه الوطن؟"

اقرأ أيضًا: نبيل البقلي.. رحلة "الحب والسلام"


غابة كل يوم

في ألبومه الأول "يا طريق يا طريق" الصادر عام 1983، كان لعمرو دياب نصيب من الحديث عن المدينة وقسوتها بأغنية حملت اسم "المدينة" كتبها الشاعر الراحل عصام عبدالله.

وقبل أن تتعجب من غناء عمرو دياب عن المدينة وآلامها وقسوتها خلافًا لما عودنا عليه من غناء عاطفي بكلمات سهلة مباشرة، يجب التنويه إلى أنه في تلك المرحلة من مسيرته، أقصد مرحلة البدايات واستكشاف طريقه الفني، قام بتقديم أغانٍ بلون مختلف وبكلمات أكثر تنوعًا قبل طرح ألبوم "ميال" عام 1988.

نعود إلى "المدينة"؛ لا يميل عصام عبدالله عادة للحديث المباشر. يفضل التشبيهات المركبة التي تتطلب بعض الانتباه واليقظة لفهم المقصود منها؛ لكنّ مطلع هذه الأغنية لم يكن كذلك، بل على العكس تمامًا؛ بدأ بكلمات مباشرة وحادة أيضًا "المدينة قلبها زحمة بالهموم/ والعيون بتّدارى في الغيوم".

هذا الزحام المادي والمعنوي يقود إلى نتيجة محسومة؛ ينشغل كل فرد بنفسه عن الآخرين. لا يشعر أحد بألم الآخر أو معاناته "مين يهمّه إلا همّه/ مين بيصرخ غير لألمه". وفي تلك الأجواء، يجد الوافد إلي المدينة نفسه وحيدًا ومنبوذًا. يشعر أنه في "غابة" و"غرُبة" حقيقية.

قد يتبادر إلى الذهن أن هذا الزحام يمنح المدينة قدرًا من القوة والصلابة، لكنّه زحام هشّ لا يقود إلا إلى مزيد من الضعف. زحام يختفي حين تمطر السماء وتختفي معه الحكايات والقصص، ولا يبقى إلا الندم وحده. زحام لا يحميها من الخطر، إذ أنها تشعر دائمًا أنها وحيدة ومسكينة.

يعود الشاعر للوصف المباشر. يوجه الكلمات إلى حبيبته، تلك التي ظهرت فجأة في نهاية الأغنيةح"بيبتي المدينة متاهة بشر/ شوارع حزينة بقايا صور/ حبيبتي المدينة في رياح القدر/ وحيدة مسكينة بتداري الخطر".

اقرأ أيضًا: كيف قدّس عمرو دياب صوته