جلال أمين - بوابة فيتو

في وداع جلال أمين.. رحلة المثقف المحافظ كما خطّها

نشأة جلال أمين في بيت أبيه المفكر الإسلامي المحافظ أحمد أمين ظل لها أثرها على فكره وآرائه، فجاءت مواقفه في المعارك الفكرية متسقة مع آراء اليمنيين والجماعات الإسلامية.

رحل أستاذ الاقتصاد والمفكر د. جلال أمين يوم الثلاثاء 25 سبتمبر/ أيلول 2018، بعدما قدم للمكتبة العربية كتابات متعددة في الاقتصاد وعلم الاجتماع والثقافة. في هذا الاستعراض، نلقي نظرة علي سيرته الذاتية "ماذا علمتني الحياة" الصادرة عن دار الشروق، والتي روى فيها جوانب عديدة من حياته، وماشاهده وما تعلمه خلالها.

جلال أمين هو الابن الأصغر للكاتب والمفكر الإسلامي أحمد أمين، صاحب سلسلة فجر الإسلام والأستاذ الجامعي. وهو الشقيق الثامن والأصغر لأشقاء وشقيقات برز منهم الكاتب حسين أحمد أمين.

في سيرته الذاتية يصدم جلال أمين القاريء بحديثه عن أسرته، فهو يتحدث بقدر كبير من الصراحة غير المعتادة في مجتمعاتنا عند الحديث عن الأمور العائلية، فيصف زواج والده ووالدته بالتقليدي غير المبني علي أي عاطفة، ويصف تأثيرات ذلك علي العلاقة الفاترة بينهما والتي كان بها الكثير من الجفاء الذي وصل إلى حد العداء أحيانًا. ويروي كيف كانت والدته تتحسر علي حبها الأول لابن خالها، ومشروع زواجهما الذي لم يتم لأسباب مادية. كانت والدة المفكر الراحل لا تمل من تكرار تلك القصة، وتحكي كيف وجدت أحمد أمين رجلاً قليل الكلام لا يعرف المزاح، يهتم بكتاباته وقراءته أكثر من اهتمامه بزوجته.

كذلك ينقل عالم الاقتصاد الراحل مذكرات أبيه عن والدته، وكيف كان يتحسر في بعض الأوقات لكونها ليست على قدر الجمال الذي يتمناه، وكيف خدعته الخاطبة وبالغت في مزاياها حتي يتزوجها.

كذلك يصنِّف د. جلال أخوته السبعة بشكل صريح بين محب للمال ومحب للعلم، ومن تميل للعالم الحديث ومن تميل للمجتمع التقليدي. وكتب عن زواج شقيقتيه الذي كان مليئا بالشكاوى ولكنه استمر فقط خوفا من كلمة "الطلاق"، وعن الشقيق الذي بحث عن الانتماء بين أصدقائه بعيدا عن العائلة المشغولة عنه، والشقيق الذي كان يطمح أن يكون مؤلفا مسرحيا ولكن التوفيق جانبه، مما جعله ناقدا شديد القسوة للكتاب المسرحيين الناجحين والمشهورين. أما حسين أحمد أمين فقد تميز وسط هذا العدد الكبير باختياره منذ الصغر مثلا أعلي يعلنه لمن حوله، وحرصه على تحصيل أكبر قدر من الثقافة.

غلاف "ماذا علمتني الحياة" ويحمل صورة عائلية تضم المفكر الإسلامي أحمد أمين وزوجته وبعض أبنائهما ومنهم جلال امين

مباهج الكتب والصبا

يروي جلال أمين عن جمال مصادفته لكتب متعددة وجميلة منذ صباه، بداية من كتب كامل الكيلاني للأطفال، وقصص علي بابا وذات الرداء الأحمر، ثم انتقاله لقراءة توفيق الحكيم وطه حسين والمازني، وإن كان بعد ذلك قد وجد أسلوب طه حسن مملاً ومصطنعًا، وأصبح متحمسًا ليوسف إدريس أكثر من نجيب محفوظ. ثم اتجه للقراءة باللغة الإنجليزية. وأعجب بكاتب أمريكي من أصل أرمني: وليام سارويان لبساطته وخفة دمه. ثم تعرف على الأدب الروسي والفرنسي ووقع في غرام تشيكوف. وكان لجلال أمين نشاط في الكتابة منذ الصغر هو وشقيقه حسين، وقد شجعهما والدهما أحمد أمين بطباعته لقصصهما ثم نشر ما يكتبونه في مجلة "الثقافة".

قارن بين الحياة الجامعية التي رآها منعدمة الأنشطة في القاهرة؛ مقارنة بما وجده في لندن من أنشطة ثقافية وسياسية ومسرحية

كذلك كانت السينما من مصادر المتعة بأفلام المغامرات المحببة للأطفال، ثم أفلام المراهقة لاستر وليامز وإنجريد برجمان، ثم التحول لافلام الواقعية الإيطالية. كذلك كانت "أم كلثوم" غراما لجلال أمين في حفلات الخميس الأول من كل شهر، ثم توجه للموسيقي الكلاسيكية باعتبارها "شرطًا ضروريا لأن تكون مثقفا".

ثم ينتقل جلال أمين لدراسة الحقوق في جامعة القاهرة ويتبعها بمدرسة لندن للاقتصاد، ويقارن بين الحياة الجامعية التي رآها منعدمة الأنشطة في القاهرة؛ مقابل ما وجده في لندن من أنشطة ثقافية وسياسية ومسرحية، والقدرة علي التفاعل والنقاش مع الأساتذة. ويتعمق جلال أمين في علوم الاقتصاد ونظرياته المختلفة في لندن ويحصل علي الماجستير ثم الدكتوراة. ويتعرف علي فتاة إنجليزية جذبت انتباه بجمالها وإخلاصها في ما تقول، ليتزوجها في عام 1963 ويقضي معها أكثر من 40 عامًا.

تنامي النظام البوليسي الذي كان يتجسس على الطلبة المصريين في لندن ومنهم أمين؛ كل هذا أعاد موقف أمين لعداء عبد الناصر.

عبد الناصر ..السادات ..مبارك

مع قيام ثورة يوليو 52 كان جلال أمين في السابعة عشرة من عمره، كان متحمسا لها، يرصد كيف كانت شعبية الملك فاروق في تراجع، وكان حماسه لمعارضي الملك كبيرا. ولكن أول إحباطاته من يوليو 52 بدأت مع محاولة إبعاد اللواء محمد نجيب، الذي كان قد حاز علي شعبية كبيرة عند الجماهير. وشارك جلال أمين في اعتصام في جامعة القاهرة من أجل عودة نجيب، واستجيب للاعتصام وعاد نجيب لموقعه بالفعل؛ لكن زملاءه الضباط كانوا يخططون للتخلص منه.

وكان من ضمن ترتيباتهم، الدفع بعمال للخروج في مظاهرات تهتف "يسقط السنهوري الجاهل" وهو رئيس مجلس الدولة في ذلك الوقت ومهندس دستور 1954 المناصر لمحمد نجيب. ثم اعتدى العمال علي السنهوري بضربه بزجاج مكتبه، ليزوره طلاب كلية الحقوق -التي التحق بها جلال أمين- مع باقة ورد. ويرفض السنهوري استقبال جمال عبد الناصر "الذي كان وراء تلك المظاهرات".

وجاء تأميم قناة السويس وانضمام مصر لمجموعة عدم الانحياز ليتغير موقف جلال أمين ويفرح بما حدث من تغيير. تلا ذلك خطوات الوحدة العربية وتحقيق الاشتراكية لتزيد من الحماس لعبد الناصر. لكن الانفصال بين مصر وسوريا وحرب اليمن والعداء بين عبد الناصر والقوميين العرب، مع تنامي النظام البوليسي الذي كان يتجسس على الطلبة المصريين في لندن ومنهم أمين؛ كل هذا أعاد موقف المفكر الاقتصادي لعداء عبد الناصر.

مع عودة جلال أمين لمصر في عام 1964 شاهد بنفسه الإجراءات البوليسية و"تصدُّر المنافقين للمشهد السياسي". وفشلت محاولة خالد محيي الدين لضمه للتنظيم الطليعي لكونه "صاحب ماضي". ثم جاءت هزيمة 67 لتكشف كذب وفشل الدولة الناصرية مما جعل جلال أمين يتلقي خبر وفاة عبد الناصر بمفاجأة أكثر من تلقيه بحزن.

جاء السادات بعد ذلك بسياسات السلام والانفتاح الاقتصادي، مما جعل جلال أمين ينظر بتقدير أكثر لعبد الناصر رغم عيوبه، ولتصبح الميزة الوحيدة للسادات هي مظاهر الديموقراطية التي بدأ بها عهده، ولكنه تخلي عنها لاحقا بفصل أساتذة الجامعة واعتقالات 1981. ليأتي مبارك ويبدأ عهده بمصالحة وطنية، يقول جلال أمين في كتابه؛ إنه اتضح مع الوقت أن نظامه لا يختلف عن نظام السادات في شيء، إلا "عدم استخدام سياسة الصدمات الكهربائية".

ماذا حدث للمصريين؟

غلاف "ماذا حدث للمصريين"- دار الشروق 

بدأ جلال أمين في نشر مقالات تربط بين الاقتصاد والسياسة والحياة اليومية بمجلة الأهرام الاقتصادي في 1982، لكن النجاح الكبير والشهرة جاءا عام 1998 مع كتاب "ماذا حدث للمصريين"، الذي حاول فيه تتبع تتطور المجتمع المصري خلال 50 عاما مع الربط بين الواقع العام والواقع الشخصي، لينجح الكتاب نجاحا كبيرا ويظل مرتبطا باسمه، ويكتب جلال أمين بعدها كثيرا في موضوعات شتى؛ حتى انه أصدر كتابًا عن جورج أورويل، وقدم مقالات هاجم فيها الكاتب الراحل ثروت أباظة.

على خطى أبيه

قبل رحيله بسنوات، صار جلال أمين أميل للتيارات المحافظة، يشهد على ذلك مواقفه في المعارك الفكرية التي جاءت متسقة مع آراء اليمنيين والجماعات الإسلامية. فقد عارض جلال أمين تدريس رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري في الجامعة الأمريكية، وأعلن سخطه علي فيلمي "المهاجر" و"المصير" ليوسف شاهين، وعلي كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين.

ويري جلال أمين في مذكراته أن أفكاره قد تغيرت من "الماركسية" و"الوضعية المنطقية" لتصل به بعد الأربعين لأن ينظر للدين نظرة مختلفة، وأن يهتم بتأثيره علي المجتمعات، ويدرك "مدي أهميته في إيقاظ المجتمع والحفاظ على هويته". فقد أصبح مقتنعا بأن "علينا أن نسعى لتحقيق تقدم اقتصادي، ولكن لا يلزمنا التحول إلى نفس شكل المجتمعات الغربية، لنأخذ نفس أفكارها ومعتقداتها".

في نهاية سيرته يتأمل جلال أمين حياته في الكِبَر وحياة والده ووالدته وأشقائه، ويسأل عن أسباب قلة الاهتمام وقلة الفرح والكثير من خيبة الأمل حتي بالنسبة لمن حققوا أهدافهم، "فقد يرغب المرء في كثير من النقود، ولكن عند وصوله لهدفه يجد أنه لم يكن يحمل الفرحة المرجوة. لكنه يجد نفسه أيضا أقل خوفا من الموت مما كان شابا وأكثر تقبلا له".

جلال أمين مثقف مصري اهتم بمجتمعه وحاول المشاركة فيه من خلال تدريسه وكتاباته. اختلفت توجهاته مع الزمن، واختلف معه أصحاب الأطياف المختلفة، فلقد كان صاحب رأي مختلف لا يتبع فيه فريقا أو تيارًا دون أن يقتنع به. تظل سيرته الذاتية الممتعة مليئة بالدروس والحكايات والشخصيات التي تستحق التأمل والاستفادة.