مجرى السيل. الصورة: محمد علي السوهاجي

سيلفي مع السيول: "نهر العريش" ينهي السنوات العجاف

وقفت فتيات وسيدات بجوار وادي العريش، يتبادلن الأحاديث حول فوائد الطمي الذي يجلبه السيل، ورغبتهن في الحصول على بعضه، لأنه مفيد للبشرة.

لأول مرة منذ تسعة أعوام تجري المياه في وادي العريش الجاف، لتصل إلى المصب النهائي بساحل المدينة، قاطعا مسافة تصل إلى 70 كيلو مترًا جنوب العريش، حيث يوجد سد الروافعة الذي لديه قدرة على احتجاز ما يقدر بحوالي خمسة ملايين و300 ألف متر مكعب من المياه.

تأثير السيول على أهالي سيناء ورد فعلهم لها اختلف تمامًا عن 2010، فعلى عكس السيول التي اجتاحت وادي العريش في يناير/ كانون الثاني 2010، وخلّفت خسائر بشرية ومادية تم تقدير الجزء المادي منها بحوالي 138 مليون جنيه، فقد خرج الآلاف من أهالي العريش نحو حافة الوادى، الذي يقسم المدينة إلى نصفين، لالتقاط الصور التذكارية، احتفالًا بما أطلقوا عليه "نهر العريش".

اعتبر اﻷهالي السيل بمثابة تعويض عن السنوات العجاف التي يعيشوها منذ بداية "الحرب على الإرهاب" في 2012.

ومع تطوير مجرى السيل في وادي العريش بات لا يُشكّل خطرًا لا يمكن السيطرة عليه، فتحول اﻷمر إلى أمسية نادرة، لدرجة أن أفراد الشرطة في الكمائن أعلى كباري وادي العريش شدّهم المشهد النادر، فالتقطوا الصور عند كوبري المستشفى وكوبري الموقف الجديد وحتى مصب السيل عند الشاطئ.


نهر العريش

يقول محمد حسين، من السكان القريبين من مجرى الوادي للمنصّة، "تابعت أخبار جريان السيل منذ انطلاقه بعد سد الروافعة، ومن خلال الاتصالات مع أشخاص من بادية وسط سيناء علمت أنه يتحرك نحو العريش، فخرجت حتى شاهدت المياه تتدفق نحو الساحل وتخترق كباري علوية أعلى مجرى الوادي".

شبان آخرون وصفوا المشهد حول مجرى الوادي، بأنهم أمام "نهر العريش" حيث امتلأ الوادي بالمياه وانعكست أضواء العقارات السكنية وأعمدة إنارة الطرق على المياه.

الكباري الأربعة المقامة حاليًا أعلى مجرى وادي العريش شيّدتها الحكومة بعد سيول 2010، وتكلفت حوالي 265 مليون جنيه، وحمت المدينة هذه المرة من الانفصال لجزئين. وتُغلق الجهات الأمنية اثنين من هذه الكباري، بينما وضعت مديرية الأمن نقاطًا أمنية عند مداخل الكباري الأربعة لتفتيش السيارات المارة.

عند محور آخر بامتداد الوادي، وقفت فتيات وسيدات بجوار وادي العريش، يتبادلن الأحاديث حول فوائد الطمي الذي يجلبه السيل، ورغبتهن في الحصول على بعضه، لأنه مفيد للبشرة ويستخدم على هيئة "ماسك" على الوجه، باعتباره أفضل من طمي البحر الميت، الذي يباع بأسعار مرتفعة في متاجر التجميل، فيما حرص العديد من السيدات والرجال على جمع الطمى في أكياس.

شبان آخرون وصفوا المشهد حول مجرى الوادي، بأنهم أمام "نهر العريش" حيث امتلأ الوادي بالمياه وانعكست أضواء العقارات السكنية وأعمدة إنارة الطرق على المياه، مُشكّلة منظرًا طبيعيًا فريدًا نادر التكرار، وتحول مع إطلاق التغريدات والمنشورات على تويتر وفيسيبوك إلى "تريند".

تغذية السردين

وعلى المسار المحاذي لمجرى الوادي تبادل رجلان الحديث؛ عن فائدة السيل عند اختلاطه مع مياه البحر في تغذية أسماك السردين، لتصير مكتنزة ودسمة، إلا أن الحصول عليها غير متاح نظرًا لمنع صيادي شمال سيناء من مزاولة مهنتهم منذ انطلاق العملية الشاملة سيناء 2018، وزاد الرجلان التفاصيل، بأن المنع يطال صيادي شمال سيناء فقط، وأن مراكب الصيادين من دمياط وبورسعيد تصل لسواحل العريش وتمارس الصيد، وأن تجار الأسماك في شمال سيناء يشترون السردين من دمياط، رغم أنه من إنتاج سواحل المحافظة.


اقرأ أيضًا: عام على العملية سيناء 2018.. ماذا حدث ومَن انتصر؟


الزراعة بالشواديف

حكايات وادي العريش لم تنته، ويقول الحاج محمد، مزارع، إن الزراعة فى مجري الوادي تسمى "الشواديف" وهي مهنة متوارثة عن الآباء والأجداد، وتحقق دخلًا يوميًا لهم، فمن الأهالي من يشتري منهم مباشرة أو من صغار الباعة الجائلين.

يحترف الحاج محمد زراعة الخضروات مثل الجرجير والبقدونس والشبت والملوخية في مجري وادي العريش، باعتبارها زراعات لا تعوق مجرى السيول وقت حدوثها، حيث تمنع محافظة شمال سيناء إقامة أي زراعات أو منشآت على مجرى وادي العريش منذ عام 2010.

ويوضح أنه فور علمه باقتراب السيل من العريش، نزع مواتير المياه التي تسحب المياه من جوف الأرض لري الزراعات، لإنقاذها من الغرق أو التلف، أما المزروعات فتركها لمصيرها، سواء لينال منها اﻷهالي نصيبهم مجانًا أو للغرق تحت مياه السيل، لكنه عازمٌ على مواصلة الزراعة بعد جفاف السيل، ويبدي تفاؤلًا باﻹنتاج ﻷن السيل يجلب معه الطمي المفيد للزراعة.

يحترف الحاج محمد زراعة الخضروات مثل الجرجير والبقدونس والشبت والملوخية في مجري وادي العريش، باعتبارها زراعات لا تعوق مجرى السيول وقت حدوثها.

على المستوى الرسمي لم يصدر من ديوان عام محافظة شمال سيناء أي بيانات بشأن متابعة سيل وادي العريش، ولم تصدر أي بيانات سوى من الإدارة العامة للموارد المائية، التي ذكرت "شكلت الإدارة العامة للموارد المائية في شمال سيناء، بحضور مندوب من معهد الموارد المائية لجنة للمرور على منشآت الحماية، وذلك لتقييم سدود الحماية وكميات المياه التي خلّفتها أمطار يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من أكتوبر الجاري".

سد الكرم

وبحسب بيان الإدارة، توجهت اللجنة لسد الروافعة بوسط سيناء، وتبين ملء بحيرة السد عن آخرها بالمياه بسعة تخزينيه 5.3 م3 وفاضت مياه الأمطار من مفيض السد إلى مجرى وادي العريش، في اتجاه مدينة العريش، الأمر الذي قررت معه اللجنة العودة لمتابعة سير المياه في وادي العريش، وإخطار الجهات المعنية باتخاذ اللازم، وبالفعل وصلت المياه إلى مدينة العريش في تمام الساعة الخامسة ونصف مساءً، ومرّت بسلام في مجرى وادي العريش، الذي تم حمايته وتهذيبه بمعرفة الإدارة سنة ٢٠١٠ في اتجاه المصب، واستقرت الأمور تمامًا بوادي العريش حتى ساعته.

كما أضافت الإدارة في بيان آخر أن سد الكرم خزّن كمية مياه يصل ارتفاعها حوالى 7.5 متر يوم اﻷحد، وانخفض المنسوب، الإثنين، ليصل إلى ستة أمتار، كما تبين أن السد بحالة جيدة، وهوعبارة عن سد خرساني تخزيني، سعته التخزينية 1.9 مليون متر مكعب، بارتفاع 15 مترًا.

الحالة اﻷمنية

ودفعت قضية مياه السيول المهدرة نشطاء العريش إلى إطلاق الأفكار بضرورة الاستغلال الأمثل لهذه المياه، بيما استطلعت المنصّة رأي مصدر يعمل في جهة تهتم بمياه السيول، وفضّل عدم الكشف عن اسمه "أن الظروف الأمنية تعوق الاستغلال الأمثل لمياه السيول من خلال إنشاء خزانات وبحيرات، لاستخدامها لاحقًا في التنمية الزراعية"، لافتًا إلى وجود كمائن أمنية كثيرة بجوار أغلبية الوديان، وأضاف أن مياه خزانات السدود مصيرها التبخر حاليًا فلا يستفيد منها أحد.

وتناول نشطاء بالتندر بيانًا صادرًا عن صفحة العلاقات العامة لمجلس مدينة العريش، نظرًا للصياغة التي كُتب بها البيان باعتباره لا يرتقي إلى اللغة المعلوماتية الواضحة بشأن هذا الحدث النادر.

من جهته أكد، محافظ شمال سيناء، اللواء دكتور محمد عبد الفضيل شوشة، في تصريحات إعلامية على الاستفادة من مياه السيول في تغذية خزان المياه الجوفي بالمياه، بجانب عمليات الزراعة، حيث يتم توفير التقاوي بنصف قيمتها تخفيفًا على المزارعين ولتشجيع التوسع في الرقعة الزراعة، بجانب توفير الميكنة الزراعية من جرارات وآلات زراعية للمزارعين بنصف قيمتها.

وصرّح المحافظ خلال تفقده السيل في مجري وادي العريش، أنه يتم مخاطبة وزارة الزراعة لتخفيض قيمة تقاوي القمح والشعير والميكنة الزراعية إلى النصف تخفيفًا عن كاهل مزارعي المحافظة، ولتشجيع عمليات التوسع في زراعات القمح والشعير، خاصة مع توافر المياه اللازمة للزراعة.

وقال المحافظ إنه وضع خطة متكاملة لمواجهة أخطار الكوارث والأزمات التي يمكن أن تتعرض لها المحافظة، وفي مقدمتها السيول والأمطار الغزيرة في فصل الشتاء، بالتعاون مع الجهات التنفيذية المعنية معلنًا استنفار المستشفيات والمصالح الحكومية والخدمية بشكل تام.

وديان وسط سيناء

وتشمل مناطق وسط سيناء سلسلة وديان من أهمها وادي الجرافي ووادي العريش، وهي وديان رئيسية تلتقى بها وديان صغيرة لتشكّل رافدًا قويًا لوادي العريش، الذي يمتد من وسط سيناء حتى مصبه بشاطئ البحر المتوسط العريش، ويوجد في وسط سيناء ثلاثة سدود، وهي سد الروافعة وتبلغ سعته التخزينية حوالى خمسة ملايين و500 ألف متر مكعب من مياه السيول، بينما يحتجز سد الكرم حوالى مليونين و500 ألف متر مكعب، أما ثالث السدود فهو سد البدن، وهوسد تحويلي، كما يوجد 15 خزانًا جوفيًا صناعيًا على امتداد وادي الجرافي.

ويعتبر وادي الأزارق هوالوادي الوحيد الخارج عن نسق سلسلة الوديان بسيناء، لأن منابعه توجد في جبال النقب في إسرائيل، ويمتد مساره حتى يخترق الحدود الشرقية عند النقطة الحدودية رقم 36 جنوب رفح بشكل عرضي، ليلتقي بوادي العريش فى منطقة "الحفن" التي تقع جنوب مدينة العريش بحوالى 20 كيلومترًا، ويقول سكان الحدود إن "إسرائيل تستفيد من مياه سيل وادى الأزارق داخل حدودها، من خلال سدود، وما يفيض منها تتركه ليمر من الحدودج باتجاه سيناء.