ما الذي يحدث في الإنترنت الإيراني؟
تشهد إيران انقطاعًا واسعًا في خدمات الإنترنت منذ مساء الخميس الماضي، بالتزامن مع موجة احتجاجات متصاعدة مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع قيمة العملة وارتفاع كلفة المعيشة، يتسع نطاقها لتشمل العديد من المدن.
ربطت تقارير صحفية بين التعتيم الرقمي وبين سياق الاحتجاجات، باعتباره إجراءً يُقيّد تدفق المعلومات والتواصل أثناء الاضطرابات، كما أشارت تقارير إلى أن قطع الإنترنت وخدمات الهاتف جاء بعد دعوات للتظاهر، وأن القطع خطوة معتادة لتقليص قدرة المحتجين على التنسيق وللحد من وصول صور وفيديوهات الأحداث إلى الخارج.
هل توفر ستارلينك بديلًا سهلًا؟
مع اتساع الاحتجاجات وقطع السلطات الإيرانية الاتصال بالإنترنت وشبكات الهاتف، يبحث كثير من الإيرانيين عن أي قناة بديلة تكسر العزلة الرقمية وتسمح بتمرير الفيديوهات والرسائل إلى الخارج. داخل هذا السياق برزت ستارلينك وهي منظومة عالمية للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، تُطورها وتُشغّلها شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك، وتهدف إلى توفير اتصال سريع بالإنترنت في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية أرضية قوية، مثل المناطق الريفية والنائية ومناطق النزاعات والكوارث.
لم يكن اتصال الإيرانيين بستارلينك سهلًا إذ واجهت الشبكة تشويشًا على إشارات GPS التي تعتمد عليها أجهزة الاتصال المعدة خصيصًا لاستقبال وإرسال الإشارات، إلى جانب فقدان كبير للبيانات وصل في بعض المناطق إلى 80%، وهو ما جعل الاتصال متقطعًا وصعب الاعتماد عليه خلال لحظات الذروة.
لا يصل الإيرانيون إلى أجهزة ستارلينك عبر قنوات رسمية، لكن من خلال مسارات سرية تبدأ غالبًا من خارج البلاد عبر ناشطين في الشتات يؤمّنون الأجهزة بتمويل خاص وتبرعات، ثم تنتقل عبر دول مجاورة قبل أن تدخل إيران بواسطة شبكات تهريب على الحدود. ومع اتساع الطلب، تشكّلت داخل إيران سوق غير رسمية لبيع الأجهزة وتداولها، مع اعتماد بعض المستخدمين على "الاستخدام المشترك" لجهاز واحد لتقاسم كلفة التشغيل والمخاطر.
وتزيد العقوبات وصعوبات الدفع عبر القنوات التقليدية كلفة الاستخدام وتعقيداته؛ لذلك يلجأ بعض المشتركين إلى بدائل مثل العملات المشفرة أو البطاقات المدفوعة مسبقًا لتجديد الاشتراك، إلى جانب ترتيبات محلية لتقاسم الرسوم الشهرية. وفي المحصلة، لا تمثل ستارلينك حلًا جماهيريًا بقدر ما تبدو قناة ضيقة تحاول فتح نافذة اتصال تحت الضغط، لكنها تظل مكلفة، وقابلة للملاحقة، ومعرّضة للتشويش.
ليست المرة الأولى
لا يأتي هذا الانقطاع بمعزل عن سوابق قريبة. ففي يونيو/حزيران 2025 شهدت إيران انقطاعًا واسعًا خلال الحرب مع إسرائيل، وقدّم تقرير صحفي مطوّل نشرته المنصة قراءةً اعتمدت على منصتين دوليتين متخصصتين في مراقبة الإنترنت؛ الأولى مبادرة مراقبة الإنترنت النشطة/IODA، وهي مشروع أكاديمي تابع لجامعة جورجيا في الولايات المتحدة، يُستخدم على نطاق واسع لرصد الانقطاعات الرقمية عبر تحليل مؤشرات مثل عدد عناوين IP المتصلة، واختبارات الاتصال النشطة. وتتميّز IODA بأنها ترصد الانقطاعات من خارج الشبكة، ما يمنحها مصداقية عالية في البيئات القمعية.
أما المنصة الثانية فهي Cloudflare Radar، الأداة التحليلية المتقدمة التي توفّرها شركة Cloudflare العالمية، وتُستخدم لقياس حركة البيانات والتغيرات في استخدام البروتوكولات، وتوازن النشاط بين المستخدمين والبوتات، وأنماط الاتصال على الأجهزة المحمولة مقابل المكتبية. وتُعد مصدرًا موثوقًا لرصد التحولات التقنية على مستوى الدول والمناطق.
وتمنح بيانات القياس التي توفرها المنصتان طريقة دقيقة لوصف ما حدث للإنترنت الإيراني يوم الخميس، عبر تحديد توقيت بداية التراجع ورصد تطوره خلال الساعات التالية وقياس نطاقه وحدته. وفي الجزء التالي، يستند التقرير إلى الرسوم البيانية التي سجلتها منصتا Cloudflare Radar وIODA في اليوم نفسه لتوثيق لحظة بدء الإنقطاع ومساره حتى وصول النشاط إلى مستويات متدنية للغاية خلال المساء.
انقطاع واسع للإنترنت
في الأزمة الراهنة، أشارت بيانات المنصتين إلى انقطاع واسع في اتصال الإنترنت داخل إيران بدأ عصر الخميس 8 يناير/كانون الثاني الحالي، قبل أن يهبط النشاط إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال المساء بتوقيت جرينتش، وفق رسوم تتبع حركة الاستخدام والاتصال على مدار الأيام الماضية.
في بيانات Cloudflare Radar، التي ترصد حجم حركة الإنترنت (كمية البيانات التي تنتقل بين المستخدمين والمواقع، وعدد محاولات فتح الصفحات والخدمات عبر الوب) تظهر البيانات أنه عند الساعة 16:30 بتوقيت UTC وضع النظام داخل الرسم تنبيهًا بعنوان "اضطراب في الحركة"، أي أن المنصة رصدت تغيّرًا مفاجئًا وغير معتاد في الأرقام في هذا التوقيت.
بعد ذلك مباشرة هبطت المؤشرات الثلاثة التي تتابع النشاط (بما يشمل إجمالي البيانات المتبادلة، وبيانات تصفح الوب، وعدد طلبات الوب) بشكل حاد إلى مستويات قريبة من الصفر، وبقيت منخفضة حتى نهاية فترة الرصد، ما يعني أن التصفح واستخدام الخدمات عبر الإنترنت تراجعا فجأة وبقيا شبه متوقفين.
ودعمت البيانات المتاحة على IODA التابعة لمعهد جورجيا للتكنولوجيا هذه الصورة عبر أدوات قياس مختلفة، إذ أظهرت القياسات التي تختبر الاتصال بشكل عملي (أي التي تحاول الوصول إلى الشبكات لمعرفة هل تعمل فعليًا) تدهورًا قويًا بدأ بعد الرابعة مساءً تقريبًا، ثم هبوطًا إلى مستوى شديد الانخفاض استمر حتى نهاية اليوم. وفي الوقت نفسه، هبطت مؤشرات أخرى تعكس النشاط اليومي للمستخدمين، مثل المؤشرات المرتبطة بسلوك البحث والاستخدام، إلى مستويات قريبة من الصفر خلال ساعات المساء.
لتفسير هذه النتائج، يمكن النظر إلى الإنترنت من زاويتين مختلفتين، الأولى كيف تبدو الشبكات من الخارج على خريطة الإنترنت العالمية، والثانية، كيف تبدو التجربة الفعلية للمستخدمين داخل البلد عند محاولة فتح المواقع واستخدام التطبيقات.
أحيانًا تظل بعض الشبكات مرئية خارجيًا وكأنها ما زالت قائمة، لكن الاتصال الحقيقي داخل البلد يتدهور بشدة بسبب تعطيل أو تقييد أو انهيار في المسارات التي يصل عبرها الناس إلى الخدمات.
وهذا ما تعكسه بيانات إيران؛ ظل جزء من مؤشرات الظهور مستقرًا نسبيًا معظم اليوم ثم تراجع جزئيًا قرب مساء الخميس 8 يناير/كانون الثاني 2026، ثم انهارت مؤشرات الاتصال الفعلي إلى مستويات شديدة الانخفاض حتى كتابة هذا التقرير، بما يعني أن المشكلة لم تكن تغيرًا طبيعيًا في مستوى الاستخدام، لكن اضطرابًا واسعًا أو انقطاعًا شديدًا جعل الوصول إلى الإنترنت داخل إيران بالغ الصعوبة حتى لو بقيت بعض الشبكات ظاهرة للعالم من الخارج.
طهران الأعلى نشاطًا
وتُظهر بيانات أخرى من Cloudflare Radar أن حركة الإنترنت التي رصدتها المنصة كانت متركزة جغرافيًا بشكل كبير في عدد محدود من المحافظات، وعلى رأسها طهران. ووفق رسم التوزيع الجغرافي لحركة الإنترنت في إيران (خلال آخر 7 أيام حتى 11 يناير 2026، 10:45 بتوقيت UTC)، استحوذت طهران وحدها على 49.1% من إجمالي الحركة التي التقطتها Cloudflare خلال الفترة، أي ما يقارب نصف النشاط المرصود على مستوى البلاد.
بعد طهران، جاءت فارس بنسبة 10.4% وأصفهان بنسبة 9.6%، ثم أذربيجان الشرقية بنسبة 8.0% وخراسان رضوي بنسبة 8.5%.
وظهرت محافظات أخرى بحصص أقل، منها البرز بنسبة 3.8% وخوزستان بنسبة 3.2% ومازندران بنسبة 2.8%، بينما تراجعت قم إلى 0.7%، وتوزعت بقية المحافظات المدرجة في القائمة على نسب صغيرة تراوحت بين 0.5% و0.2% لكل محافظة.
وتعكس الخريطة المصاحبة لهذه البيانات هذا التركُّز بصريًا عبر دوائر مختلفة الحجم على أنحاء إيران؛ إذ تظهر أكبر الدوائر في نطاق طهران، مع دوائر أصغر موزعة على مناطق أخرى، ما يشير إلى أن الجزء الأكبر من الحركة المرصودة كان يأتي من المراكز السكانية الرئيسية.
وفي الوقت نفسه، تَعرِض Cloudflare رسمًا آخر يوضح ما جرى داخل المحافظات الكبرى لحظة بلحظة، عبر متابعة طلبات الوب في أكبر خمس مناطق.
الرسم البياني يقيس مستوى نشاط المحافظة مقارنة بأعلى مستوى سجلته هي نفسها خلال الفترة. وعند 16:30 بتوقيت UTC— وهي اللحظة التي وضعت عندها المنصة تنبيه "اضطراب في الحركة".
وتُظهر البيانات أن طهران تستحوذ على الحصة الأكبر من الحركة 49.1%، تليها فارس 10.4% وأصفهان 9.6% وخراسان رضوي 8.5% وأذربيجان الشرقية 8.0%. كما تُظهر المنحنيات هبوطًا حادًا ومتزامنًا في طلبات الوب داخل هذه المناطق (ابتداءً من الخميس 8 يناير) وصولًا إلى مستويات قريبة من الصفر، واستمرارها منخفضة خلال ما تبقى من فترة الرصد، بما يشير إلى أن التراجع لم يقتصر على منطقة واحدة بل شمل المراكز الرئيسية في توقيت متقارب.
بصمة قطع متعمد
تشير قرائن القياس السابقة إلى أن ما حدث مساء الخميس 8 يناير تقييد/قطع واسع النطاق. فقد سجّلت Cloudflare Radar تنبيهًا آليًا عند 16:30 بتوقيت UTC، ثم بدأت مؤشرات النشاط الرئيسية -بما يشمل إجمالي البيانات المتبادلة وحركة تصفح الوب وطلبات الوب- مسار هبوطٍ حادًا انتهى إلى مستويات قريبة من الصفر، وبقيت الحركة منخفضة للغاية حتى نهاية فترة الرصد.
وتقوّي المقارنة الزمنية داخل Cloudflare هذا الاستدلال. فالرسم الذي يقارن حركة يوم الخميس بحركة اليوم نفسه قبل أسبوع يُظهر نمطًا طبيعيًا في الأسبوع السابق، بينما انهارت حركة الخميس بعد لحظة التنبيه. وتشير بيانات Cloudflare إلى أن الحركة لم تتراجع تدريجيًا، بل سلكت مسارًا من مرحلتين: هبوطًا واضحًا ثم انهيارًا شبه كامل. هذا النوع من "البصمة الزمنية" يتسق أكثر مع فرضية تقييد موجَّه أو قطع واسع، لا مع خلل محدود أو تذبذب اعتيادي في مستوى الاستخدام.
وتقدّم بيانات IODA وسيلة تحقق إضافية عبر منهج مختلف، ما يزيد قوة الاستنتاج على مستوى القرائن. فاختبارات الاتصال العملية لدى IODA أظهرت تدهورًا قويًا بدأ بعد الرابعة والنصف عصر الخميس تقريبًا، ثم هبطت مؤشرات الاتصال إلى مستوى شديد الانخفاض واستمرت كذلك حتى كتابة هذا التقرير، بالتزامن مع تراجع مؤشرات تعكس سلوك الاستخدام اليومي إلى مستويات متدنية للغاية.
وتطابق هبوط الاتصال الفعلي في IODA مع انهيار حركة المرور في Cloudflare يعزز قراءة أن الانقطاع نتج عن تدخل مركزي في مسارات الوصول أو فرض قيود شبكية واسعة.