سمكة بابل.. هل تقتل الترجمة الفورية روح الشعوب؟
منذ سبعينيات القرن الماضي، ولأسباب متعلقة بطموحات الرئيس المؤمن وبتاريخنا الاستعماري، توجهت مصر إلى المعسكر الغربي بقوة مما أثر على ثقافتنا المحلية؛ أنماط استهلاكنا، لغتنا الثانية والثالثة، بل حتى تطلعاتنا السياسية، حتى أصبحت لدينا أجيال من الطبقات المتعلمة في مصر، ذوي ثقافة غربية في قلبها إتقان يزداد وينقص حسب الطبقة الاجتماعية للغة الإنجليزية.
لكن منذ بضعة أعوام بدأت القيادة المصرية الحالية في تغيير سياستها إلى حد ما تجاه المعسكر الشرقي الجديد (بقيادة الصين وليس السوفييت هذه المرة)، وهو في رأيي قرار يحمل شيئًا من الحكمة للخروج ولو جزئيًا من تحت رحمة الإمبراطورية الأمريكية المارة حاليًا بطور الجنون. بدأت الاستثمارات الصينية في الدخول إلى مصر بشكل أوسع بل وظهرت تقارير عن تنويع سلاح الجيش المصري لأسلحة صينية الصنع.
مع انتشار هذه الأخبار وتداعياتها وميلي الشخصي للمشروع الصيني وكراهيتي المتزايدة للمعسكر الغربي كله بدأت أفكر بدافع غريزة البقاء، هل سيكون علي بعد كل هذا العمر أن أبدأ في تعلُّم الصينية؟ اللغة التي تكاد تكون الوحيدة في العالم الأصعب من العربية في تعلمها؟
في سلسلة روايات الخيال العلمي The hitchhiker's guide to the galaxy تخيل دوجلاس آدمز كائنًا صغيرًا اسمه سمكة بابل يوضع في الأذن ويتيح للشخص فهم أي لغة في الكون. بعد أكثر من أربعين عامًا على تأليف آدمز للرواية قدمت شركات التكنولوجيا أخيرًا سمكة بابل حقيقية على هيئة سماعات Google pixel buds.
تلك التكنولوجيا ربما تتيح لرجل في منتصف العمر مثلي حلًا مثاليًا للهروب من تعلم اللغة الصينية، لكن مع كل تطور في تقنيات الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي يزداد التساؤل إلحاحًا، كيف سيؤثر هذا الانفتاح اللغوي على ثقافات الشعوب المستهلكة لتلك التكنولوجيا دون امتلاك أي تأثير على بنائها؟
عاد نعوم تشومسكي للأضواء في الشهر الماضي ليس بسبب إنجازاته الأكاديمية بل بسبب ذِكر اسمه في ملفات إبستين، وإن لم أكن من محبي ومريدي نعوم تشومسكي من قبل فإنني تذكرت واحدًا من أهم مشاريعه وهو النحو الكلي universal grammar.
نغمة أزلية واحدة
تقوم نظرية تشومسكي على فرضية أن البشر يمتلكون "جهازًا لغويًا" فطريًا. مخطط بيولوجي يجعل عقولنا مهيأة لاستيعاب القواعد اللغوية أيًا كانت. بالنسبة لتشومسكي، اللغات ليست سوى تنويعات على نغمة واحدة أزلية تسكن جيناتنا.
ولكن، هنا تكمن المفارقة المخيفة، فبينما كان تشومسكي يبحث عن "الجوهر الإنساني" المشترك الذي يوحدنا بيولوجيًا، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يحاول "محاكاة" هذا النحو الكلي عبر خوارزميات إحصائية عملاقة. سماعات "جوجل" لا تفهم روح اللغة الصينية أو سياقها التاريخي، هي فقط تجيد "رسم خرائط" للمعاني وتحويلها إلى بروتوكول تواصل جاف.
هذا "البروتوكول" الموحَّد قد يكون المسمار الأخير في نعش التنوع الثقافي. فإذا كانت الطبقة البرجوازية المصرية اختارت "الانعزال اللغوي" طواعية عبر الإنجليزية لتفصل نفسها عن واقعها المحلي، فإن التكنولوجيا القادمة قد تفرض هذا الانعزال على الجميع بشكل قسري وناعم في آن واحد. سنصبح جميعًا قادرين على "التحدث" مع الصينيين، لكننا سنفعل ذلك عبر "وسيط" تقني يمتلكه وادي السليكون، وسيط يترجم الكلمات بينما يسحق في طريقه الفروق الدقيقة التي تجعل من كل ثقافة تجربة فريدة.
إذا كانت كل اللغات تشترك في جذر بيولوجي واحد فإن ما يجعلنا "نحن" هو البنية السطحية
خيال دوجلاس آدمز العبثي حوَّل سمكة بابل إلى كارثة، حين عرفت كل الأمم مدى كراهية كل واحدة للأخرى بدلًا من أن تساعد على انفتاح ثقافاتهم على بعضها الآخر.
تكمن عبقرية آدامز المريرة في إدراكه أن اللغة ليست مجرد جسر، بل هي أيضًا جدار يحمي خصوصية الوجدان. حين تهدم التكنولوجيا هذا الجدار بـ"سمكة بابل" الرقمية، فهي لا تمنحنا "الفهم" بل "البيانات". والبيانات بطبعها باردة، خالية من السياق، ومجردة من "المنطق الثقافي" الذي يجعل للكلمة ثقلًا في لغة وخفة في أخرى.
هنا نعود لتشومسكي ونظريته عن "البنية العميقة" للغة. إذا كانت كل اللغات تشترك في جذر بيولوجي واحد، فإن ما يجعلنا "نحن" هو البنية السطحية، تلك القشرة الملونة من المجازات، والأمثال الشعبية، والارتباطات الشرطية بين الكلمة وتاريخ الأرض. الذكاء الاصطناعي اليوم، ببراعته الإحصائية، يقوم بعملية تسطيح شاملة. يأخذ "البنية العميقة" ويصوغها في قوالب لغوية تناسب معايير الشركات المنتجة له، وهي معايير غربية المنشأ بامتياز.
سمكة بابل في إيجبت
هذه "المعايرة اللغوية" هي النسخة التقنية والموسعة لما فعلته الطبقة البرجوازية في مصر على مدار عقود. في أحياء إيجبت، لم يعد الإتقان الكامل للإنجليزية مجرد مهارة عمل، بل أصبح هوية عازلة. لقد خلقوا "سمكة بابل" خاصة بهم عبر التعليم الدولي، سمكة تتيح لهم التواصل مع المركز الغربي، لكنها في الوقت نفسه تجعلهم "غرباء" عن لغتهم الأم، وعن المنطق الشعبي الذي يحرك الشارع المصري. إنهم يفهمون الكلمات العربية، لكنهم لا "يشعرون" بظلالها.
الخطر القادم مع سماعات الترجمة الفورية والـAI هو تعميم هذا "الاغتراب". إذا كانت البرجوازية قد انعزلت طواعية لتأمين مكانتها الطبقية، فإن التكنولوجيا ستعزلنا جميعًا داخل "فقاعة تواصل عالمية" زائفة. سنتحدث مع الصيني، لكننا سنفكر من خلال "الوسيط التقني" الذي صممه مبرمج في كاليفورنيا ليجعل كلامنا "مفهومًا"، أي ليجعله خاليًا من أي خصوصية قد تعوق تدفق المعلومات.
إن "موت اللغة" الذي نخشاه ليس اختفاء الكلمات من القواميس، إنما هو تحول اللغات إلى مجرد أكواد وظيفية، وفقدان القدرة على صياغة العالم بمنطقنا الخاص. وكما تسببت سمكة بابل في حروب دموية لأنها كشفت عُري الأفكار قبل نضجها في رحم التفاهم الثقافي، فقد تودي بنا التكنولوجيا إلى تواصل "كامل" تقنيًا، لكنه "منعدم" إنسانيًا.
الأسوأ، رغم رغبتي الشديدة في التواصل مع الصين، ألا نملك من لغتنا في يوم ما في المستقبل سوى ما تسمح لنا به السلطة (التقنية أو السياسية).
