من يحمي خادم الحرمين؟
خمسة مليارات دولار مقابل مظلة نووية: صفقة الرياض مع إسلام آباد
في صباح 11 أبريل/نيسان الحالي، هبطتْ طائرات حربية تابعة للقوات الجوية الباكستانية في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية بالمنطقة الشرقية، المركز الرئيسي للقوات الجوية السعودية.
بلغة البيانات الجافة؛ أعلنت وزارة الدفاع في المملكة عن وصول القوة العسكرية الباكستانية التي تضم "طائرات مقاتلة وداعمة" وذلك "ضمن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة بين البلدين الشقيقين" لتعزيز التنسيق العسكري المشترك ورفع مستوى الجاهزية العملياتية، ثم تحدثت بعض التقارير الصحفية لاحقًا عن 13 ألف جندي باكستاني كانوا جزءًا من هذه القوة، إضافة إلى 10 طائرات على أقل تقدير.
لكن بعيدًا عن رسمية البيانات وتسريبات الصحف، يُعَدُّ وصول الآليات العسكرية الباكستانية إلى المملكة الدلالة الأكثر وضوحًا حتى الآن على التحول الهيكلي الذي بدأ في بنية الأمن الخليجي قبل سنوات، وجعلته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي أكثر انكشافًا.
ارتكز أمن الخليج منذ أزمة قطع الإمدادات عام 1973 على معادلة غير متكافئة: حماية أمريكية مقابل النفط، ثم استثمار الفوائض المالية في أصول أمريكية (تدوير البترودولار). ضمن هذا الإطار اعتمدت السعودية على واشنطن للدفاع وعوضت ذلك بتدفقات مالية سخية. وبالفعل صمدت هذه المعادلة أمام الكثير من التحديات بدايةً من الثورة الإيرانية حتى غزو العراق للكويت، ثم احتلال العراق في 2003، بل إنها ازدادت قوة مع كل أزمة وكل قاعدة أمريكية جديدة في الخليج، حتى أتي الخريف الماضي.
خريف العالم القديم
في 9 سبتمبر/أيلول 2025، لم تمنع الولايات المتحدة الطائرات الإسرائيلية من استهداف قيادات حماس في الدوحة، واقتصر ردها على بيانات الإدانة الفارغة التي لم تنجح في تهدئة مخاوف الخليج رغم الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار أي هجوم خارجي على قطر تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، ما يعني استخدام جميع التدابير، بما فيها العسكرية، لحماية قطر، الذي نُظر إليه على نطاق واسع باعتباره محاولة لنزع فتيل الأزمة أكثر من كونه ضمانة حماية.
في هذا السياق؛ جاءت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها الرياض مع إسلام آباد بعد ثمانية أيام فقط من الضربة، بمثابة إعلان سعودي عن فقدان الثقة في الترتيبات الحالية للأمن الإقليمي، والبحث عن بديل لحماية أمنها بعيدًا عن أي ترتيبات جامعة.
لا يمكن فهم اختيار باكستان للعب دور محوري في الترتيبات السعودية بمعزل عن تصورات الرياض عن مهددات أمنها الإقليمي.
البعد الإيراني هو الأكثر حدة؛ فمنذ 28 فبراير/شباط، ضربت الصواريخ البالستية الإيرانية القواعد الأمريكية في جميع أنحاء الخليج، من بينها قاعدة الأمير سلطان الجوية. كما يستمر التمرد الحوثي في اليمن، مدعومًا باللوجستيات والعقيدة الإيرانية، في تهديد بنية أرامكو التحتية من الجنوب. وأدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز إلى وضع أسواق الطاقة العالمية في حالة أزمة، مما عرض الأسس المالية لـ"رؤية 2030" لخطر مباشر. في ظل هذا المشهد، فإن نشر أنظمة الدفاع الجوي الباكستانية في المنطقة الشرقية يمثل رادعًا متعدد الطبقات عجزت عن توفيره المعدات الأمريكية باهظة الثمن.
لكن الضغط الإيراني مهما كان مُلحًا ليس إلا أحد فَكَّي كمّاشةٍ، فَكُّها الآخر أقل انكشافًا، ومن الصعب على المملكة الاعتراف به علانية: الضغط القادم من محور إسرائيل-الإمارات الذي رسَّخته الاتفاقات الإبراهيمية، وظل يتعمّق حتى أيقنت أبوظبي أن التضامن العربي أو الخليجي لم يعد رهانًا رابحًا، مقارنةً بالتحالف مع التكنولوجيا والاستخبارات الإسرائيلية والأمن المدعوم أمريكيًا.
لم يعد التباعد بين السعودية والإمارات خلافًا في وجهات النظر بقدر ما بات يعبّر عن منافسة حقيقية لا يمكن إخفاءها. فبينما رأت أبوظبي بقيادة محمد بن زايد أن زمن العمل العربي الجماعي انتهى، وتخلت عن القضية الفلسطينية، بقيت الرياض مُقيدة ببيئة داخلية معقدة وبصورتها حاضنةً للإسلام السني وقيادة العرب.
انعكس هذا التنافس على الأرض فعلًا في السودان والقرن الإفريقي وصولًا إلى اليمن، حيث تحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة في ديسمبر/كانون الأول 2025 حين تقدمت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا للاستيلاء على مناطق نفطية تحت السيطرة السعودية، فردّت الرياض بغارات جوية أجبرتها على الانسحاب.
باكستان الآن
ضمن هذا الضغط المزدوج، الصواريخ الإيرانية من جانب، والضغط الاستراتيجي الإماراتي الإسرائيلي من جانب آخر، تتضح قيمة باكستان في حل، أو على الأقل تحييد، كلتا المشكلتين في آنٍ، وبطرق لا تتاح لأي شريك آخر.
فما تقدمه باكستان للسعودية في مواجهة التهديد الإيراني يختلف نوعيًا عمَّا يمكن للمملكة شراؤه من الولايات المتحدة: مظلة نووية امتدت، وفق وزير الدفاع الباكستاني، لتشمل السعودية بموجب شروط اتفاقية سبتمبر (الدفاع المشترك).
بالنظر للمشهد الحالي يمكن القول إن السعودية من خلال باكستان أصبحت أقرب لما تريد
هذه الميزة ليست هيّنةً، فالبرنامج النووي الإيراني سيظل رغم الضربات الأمريكية مُحتفظًا بقدراته البشرية على الأقل، سيبقى شبحًا يفرض نفسه على حسابات الرياض. لهذا وجود قوة نووية مسلمة التزمت رسميًا باعتبار أي هجوم على السعودية هجومًا عليها بمثابة بوليصة تأمين وجودية لا يمكن لأي عدد من طائرات F-35 أو مذكرات تفاهم أمنية من واشنطن مضاهاتها.
في مواجهة محور "إسرائيل-الإمارات"، لباكستان قيمة سياسية ورمزية لا تقل عن قيمتها العسكرية. فمن خلال ترسيخ علاقتها الدفاعية مع إسلام آباد بدلًا من الاندماج أكثر في الإطار الأمني الأمريكي الإسرائيلي، ترسل السعودية إشارة لشعبها، وللعالم الإسلامي الأوسع، ولأولئك في المشهد السياسي العربي الذين يراقبونها لاختبار ما تبقى من استقلالها، بأنها لم تستسلم ببساطة لمنطق الاتفاقيات الإبراهيمية.
باكستان، بطبيعتها، خارج هذا الإطار؛ فلا علاقات لها مع إسرائيل ولا تعترف بها، وتلتزم دستوريًا بالقضية الفلسطينية من خلال المادة 40 من دستورها التي تنص على دعم المصالح المشتركة لشعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي دولة نووية يقطنها 240 مليون نسمة 85% منهم مسلمون سنة، ولا تدين بالولاء لهيكل واشنطن الإقليمي.
إذًا التحالف مع باكستان هو بديل للتطبيع، وأيضًا دليل على أن المملكة لا تزال تمتلك خيارات استراتيجية لا تتطلب منها دفع التكلفة الداخلية والإقليمية الباهظة مقابل التخلي عن مواقفها.
تحالف.. بأي ثمن؟
لا يعتمد التحالف الجديد بين السعودية وباكستان على العلاقات التاريخية أو التضامن الإسلامي بين البلدين، فمواقف السعودية بقيادة محمد بن سلمان تتسم ببرجماتية قائمة بشكل مباشر على المصالح المتبادلة لتضمن استمرارها.
في سبيل ذلك؛ جنّبت السعوديةُ وقطرُ باكستانَ آثار "العقاب الإماراتي" على موقفها غير المؤيد للحرب الأمريكية على إيران بتقاربها من السعودية منذ سبتمبر الماضي؛ عندما تعهّدت الرياض والدوحة في نفس يوم وصول الدعم العسكري الباكستاني بتقديم مساعدات مالية لإسلام آباد بقيمة خمسة مليارات دولار، بعد أن طالبت الإمارات باكستان بسداد قرض قيمته 3.5 مليار دولار قبل نهاية أبريل الحالي.
هذه المطالبة الإماراتية بقرض كانت حريصة على تمديده منذ 2018، يعكس حدة الضغوط على دولة تعاني من أزمة اقتصادية واضحة، فاحتياطيات باكستان من العملات الأجنبية حوالي 16.4 مليار دولار ومطالبة الإمارات بـ3.5 مليار دولار فورًا ليست أمرًا بسيطًا.
السعودية إذًا تدفع لباكستان فواتيرها لتضمن قدرتها على أداء وظائفها الموكلة إليها. فالمليارات الخمسة المتدفقة إلى إسلام آباد ليست مجرد استثمار في طموحات تنويع "رؤية 2030" بل هي "مقدم أتعاب" للدعم العسكري من جانب، ومن جانب آخرٍ لدور الوسيط الذي يسعى لإنهاء الحرب بما لها من آثار سلبية على السعودية. في ضوء ذلك، تكون الدوحة التي انتُهكت سيادتها دون تدخل أمريكي فعليٍّ قد انحازت إلى المحور السعودي الباكستاني ضد المحور الإماراتي الإسرائيلي.
هذا التحالف العسكري المبني بشكل أساسي على الدعم المالي قد يصبح في وقت ما سيفًا على رقبة النظام الباكستاني
بالنظر للمشهد الحالي، يمكن القول إن السعودية من خلال باكستان أصبحت أقرب لما تريد ليس فقط بتقديمها لمحور جديد وفاعل في معادلة الأمن الإقليمي؛ بل أيضًا فيما يتعلق بالحرب الدائرة. من خلال باكستان تستطيع السعودية بلوغ النهاية التي ترغب فيها بشدة: نهاية للحرب لا تسمح لإيران بالخروج منتصرة وأكثر قوة، وفي الوقت نفسه لا تُسقطها في مصير العراق؛ ووقف لإطلاق النار يعيد هرمز إلى التجارة العالمية؛ ونظام إقليمي تلعب فيه الرياض دورًا قياديًا في مواجهة النفوذ الإماراتي المدعوم إسرائيليًا.
لهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يذهب وزير المالية السعودي محمد الجدعان شخصيًا إلى إسلام آباد في الليلة السابقة للمفاوضات ليناقش مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف نفسه ووزير دفاعه الانتشار العسكري، وحزمة المساعدات المالية، وديون الإمارات، ومحادثات الوساطة المقررة في صباح اليوم التالي. بعبارة أخرى، وصلت الدولة السعودية إلى إسلام آباد ليلتها ومعها دفتر شيكاتها واتفاقية دفاعها واستراتيجيتها الإقليمية، وغادرت بعد أن فعَّلت الثلاثة في آنٍ واحد.
إلا أن هذا التحالف الجديد الآخذ في التشكل لا يأتي دون قيود، فباكستان انتقلت بشكل نهائي من كونها وسيطًا محايدًا إلى شريك عسكري لأحد الأطراف، وإذا توصلت طهران إلى هذا الاستنتاج فإن باكستان تفقد قيمتها الفريدة قناة اتصال، ويصبح وقف إطلاق النار الذي تحاول محادثات إسلام آباد ترسيخه أصعب بكثير.
من ناحية أخرى، تشترك باكستان مع إيران في حدود يبلغ طولها 900 كيلومتر، ولهذا لا يمكنها معاملة إيران كعدو دون عواقب، فالضغط الإيراني على تلك الحدود، أو من خلال شبكات المسلحين البلوش التي تستطيع طهران استغلالها أو على الأقل التغاضي عن نشاطها، قد يزعزع استقرار النظام السياسي الباكستاني الذي يقوم عليه البناء بأكمله.
هذا التحالف العسكري المبني بشكل أساسي على الدعم المالي قد يصبح في وقت ما سيفًا على رقبة النظام الباكستاني. فإذا أصبح الدعم المالي من الرياض مشروطًا بالحفاظ على موقف معين تجاه إيران، أو بتجنب المواقف التي تتعارض مع الدبلوماسية السعودية، أو بالاستمرار في نشر القوات بما يتجاوز ما يمكن للسياسة الداخلية الباكستانية استيعابه، فعندها ستكتشف إسلام آباد أن "مقدم الأتعاب" يأتي مع التزامات لم تُكتب قط في اتفاقية سبتمبر 2025.
أخيرًا، يأتي العامل التاريخي الأكبر في عدم استقرار المنطقة: القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي تحاول السعودية بناء بنية أمنية كافية لما بعد الضمانة الأمريكية، فإنها لا تتخذ موقفًا جذريًا من مسألة التطبيع مع إسرائيل حتى لو كانت تربطه بحل الدولتين.
الرياض التي لا تسعى للخروج من مدار واشنطن رغم تقاربها مع بكين قد تضطر تحت ضغوط مباشرة أو غير مباشرة إلى اتخاذ خطوات واضحة نحو التطبيع مع إسرائيل، هنا سيواجه النظام الباكستاني اختبارًا صعبًا بالنظر إلى الموقف الدستوري تجاه الحقوق الفلسطينية والحساسية المفرطة للرأي العام هناك تجاه أي تلميح للتوافق مع تل أبيب.
إن وصول الطائرات إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية مجرد بداية لتجربة نتيجتها مفتوحة على كل الاحتمالات. لكن المؤكد هو أن النظام القديم انتهى، والطائرات في الظهران، والمحادثات في إسلام آباد، والخمسة مليارات دولار التي ستحصل عليها باكستان، هي المظاهر الأكثر وضوحًا لما يحاول أن يحل محله.
أما ما إذا كان هذا البديل سيشكل نظامًا جديدًا، أم سيكون مجرد شكل أكثر تعقيدًا لنفس الفوضى الموجودة حاليًا، فهو سؤال يظل حتى الآن بدون إجابة.
