تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
العلاقة بين الهند وإسرائيل دخلت مرحلة تكامل استراتيجي

لليمين دُر.. كيف جعلت "الهندوتفا" من الهند شريكةً للاحتلال؟

منشور الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026

في نوفمبر/تشرين الثاني 1947، بعد أقل من أربعة أشهر من استقلال بلادها، وقفت رئيسة الوفد الهندي في الأمم المتحدة فيجايا لاكشمي بانديت، شقيقة رئيس الوزراء الأول جواهر لال نهرو، معلنةً في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة رفض قرار تقسيم فلسطين الذي كانت غالبية القوى الكبرى تدفع باتجاهه. وفي 1974 أصبحت الهند من أولى الدول اعترافًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم دولة فلسطين في 1988.

لكنْ بعد عقود من هذه المشاهد، كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، قائد حزب بهاراتيا جاناتا، يعلن في فبراير/شباط 2026 من على منصة الكنيست، أن ما يربط بلاده بإسرائيل لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية، بل "شراكة استراتيجية خاصة".

تتوج هذه التصريحات مسارًا متسارعًا من التقارب السياسي والعسكري والتكنولوجي بين البلدين، ضلت الهند معه طريق دعم فلسطين التي مهدها قادة الاستقلال، وعلى رأسهم المهاتما غاندي الذي عبّر مبكرًا، في مقاله "اليهود" المنشور سنة 1938، عن رفضه إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، معتبرًا أن "فلسطين للعرب مثلما بريطانيا للبريطانيين"، وأن فرض اليهود عليها "خطأ، ولا إنساني". 

كيف إذن حدث هذا التحول من موقف غاندي إلى لحظة وقوف مودي في الكنيست الإسرائيلي، والأهم كيف جرى تسويقه داخل المجتمع الهندي، لا سيما بين قطاعات الطبقة الوسطى التي تشكل أحد أهم روافد التأثير السياسي والانتخابي في البلاد؟

الهند في مرآة إسرائيل

الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أثناء زيارته إلى الهند عام 1983

يمكن تتبع آثار هذا التحول في السياسات الهندية تجاه فلسطين إلى حدٍ كبيرٍ بصعود أفكار الهندوتفا داخل المشهد السياسي. 

حرفيًا، تعني الكلمة السنسكريتية الهندوتفا "جوهر الهندوسي"، لكن دلالاتها تمتد لتشمل ما يؤمن به أتباعها من ثقافة و"هوية هندوسية" حقيقية للشعب الهندي بالمعنى الأيديولوجي والسياسي. تشكلت ملامح هذا التيار خلال النصف الأول من القرن العشرين، ويقوم على فكرة أساسية هي أن الهند أمة هندوسية، وكل ما عداها استثناء يحتاج إلى تبرير.

نشأت أفكار الهندوتفا على يد السياسي والمفكر الهندي فيناياك دامودار سافاركار، الذي قدَّمها في كتابه "الهندوتفا: من هو الهندي؟" عام 1923، إضافة لإرثه الذي ارتبط باتهامات التحريض الطائفي وتأييد سياسات الهيمنة الهندوسية، فضلًا عن ارتباط تياره باغتيال المهاتما غاندي، الذي قتله الهندوسي المتعصب ناثورام فيناياك جودسي في مساء يوم 30 يناير/كانون الثاني 1948، معتقدًا أنه يقدم الكثير من التنازلات للمسلمين.

تبنت منظمات قومية هندوسية متعصبة تصورات الهندوتفا حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من خطاب حزب بهاراتيا جاناتا الذي يحكم الهند اليوم. ومع قيادة مودي الحزب إلى السلطة عام 2014، نقلها من هامش الحياة السياسية إلى مركز قرارات الدولة، وبذلك أصبح المسلمون والتاريخ الإسلامي الذين يشكلون عناصر أساسية في ماهية الهند، زوائد تهدد الهوية الهندوسية للهند التي يحلم بها مودي وأيديولوجيته المتعصبة.

سرعان ما ظهرت آثار الترقي السريع للهندوتفا داخل دولاب السلطة الهندية في إلغاء الوضع الخاص لإقليم كشمير ذو الأغلبية المسلمة في 2019، وسحب حقه في الحكم الذاتي، وتعديل قانون المواطنة باستثناء المسلمين من الحصول على الجنسية، بعكس الأقليات الأخرى.

وبالطبع وجدت هذه الأيديولوجيا في إسرائيل نموذجًا ملهمًا، كونها دولة تُعرّف نفسها بهوية دينية-قومية صارمة، وتواجه "تهديدًا وجوديًا" يبرر كل ما تفعله. هنا وقع المسلمون في  التقاطع الأيديولوجي بين القومية الهندوسية والصهيونية بوصفهم "التهديد الوجودي المشترك".

موكب جنازة المهاتما غاندي الذي اغتاله هندوسي متعصب مساء يوم 30 يناير 1948، معتقدًا أنه كان يقدم الكثير من التنازلات للمسلمين

مساران غير عادلين

منذ وصول مودي إلى السلطة، ونيودلهي تتبنى ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية بسياسة "الفصل"/ De-hyphenation، أي التعامل مع العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية باعتبارهما مسارين منفصلين.

هذا النهج أتاح للحكومة الهندية توسيع تعاونها مع إسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، دون التخلي رسميًا عن دعم حل الدولتين أو علاقاتها التاريخية مع السلطة الفلسطينية. وبينما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نيودلهي، في 14 يناير 2018، بعد شهر واحد فقط من تصويت الهند ضد قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كان مودي أول رئيس وزراء هندي يزور فلسطين بعدها بأسابيع.

في تلك اللحظة، بدا كأن سياسة "الفصل" تعمل بسلاسة وكل مسار يسير في اتجاهه، دون أن يقف أحدهما يقف في طريق الآخر. إلا أن تطور المسارين لم يعد متكافئًا بعد الإبادة الإسرائيلية في غزة، حيث أصبح لأي موقف داعم للقضية الفلسطينية ثمن واضح خصمًا من العلاقة مع إسرائيل.

يتلقى المتطوعون موادَّ جاهزةً ومؤطّرة تحوّل "فلسطين" من قضية إنسانية إلى خطر يهدد الهوية الهندوسية

خلال زيارة مودي لإسرائيل في فبراير 2026، وقّع البلدان 16 اتفاقية تعاون جديدة شملت مجالات الدفاع والتكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي. وحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، شكّلت إسرائيل نحو 13% من واردات الهند العسكرية خلال الفترة بين 2020 و2024، مع تركّز ملحوظ في أنظمة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

وفي دراسة نشرها مركز بيجن-سادات الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية في أبريل/نيسان الماضي، وُصفت العلاقة بين البلدين بأنها دخلت مرحلة جديدة من "التكامل الاستراتيجي"، تتجاوز تجارة السلاح إلى مجالات البحث والتطوير والتعاون في مواجهة "التهديدات الأمنية".

يتضح حجم التحول حين تُقارن الهند بدول أخرى في الجنوب العالمي؛ فجنوب إفريقيا قادت مسارًا قانونيًا غير مسبوق ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية في غزة. وقطعت بوليفيا وكولومبيا علاقاتهما الدبلوماسية مع إسرائيل تباعًا. ولاحقًا، أسست تسع دول إفريقية ولاتينية ما بات يُعرف بمجموعة لاهاي قبل أن تتوسع المبادرة في مؤتمر بوجوتا في يوليو/تموز 2025، حيث التزمت 12 دولة بإجراءات منسقة تشمل منع تصدير أو نقل الأسلحة والذخائر والوقود العسكري إلى إسرائيل.

في المقابل تسير الهند على حبل مشدود؛ ففي سبتمبر/أيلول 2025، صوّتت مع 142 دولة لصالح قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يؤيد "إعلان نيويورك" بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، لكنها في الوقت نفسه امتنعت في محطات بارزة عن التصويت لصالح قرارات أكثر حدة بشأن غزة، بينها قرار الهدنة الإنسانية في أكتوبر 2023 وقرار وقف إطلاق النار غير المشروط في يونيو/حزيران 2025.

التلاعب بالرأي العام

رئيس الوزراء الإسرائيلي هو بنيامين نتنياهو يستقبل نظيره الهندي ناريندرا مودي أثناء زيارة الأخير لإسرائيل في 25 فبراير 2026

توسّع الشراكة بين الهند وإسرائيل لم يقتصر على حسابات الدولة وحدها، إنما ترافق مع تحولات أوسع في المجال العام الهندي. وبينما وفرت الهندوتفا الإطار الفكري لهذا التحول أصبحت المنصات الرقمية أحد أهم أدوات ترسيخه، وخلال السنوات الأخيرة، بنى حزب بهاراتيا جاناتا شبكةً واسعةً يُشار إليها باسم IT Cell، تضم أكثر من 150 ألف متطوع ومنسق وناشط إلكتروني يعملون على تحويل الإطار الأيديولوجي للحزب إلى قناعات يومية تصل إلى الملايين.

بعد السابع من أكتوبر 2023، سيطرت هاشتاجات #الهند_تدعم_إسرائيل و#حماس_إرهابية وغيرها على السوشيال ميديا الهندية بشكل لافت، بينما جرى تأطير أي تعاطف مع غزة أو فلسطين باعتباره "دعمًا للإرهاب" و"خيانة للوطن"، مع ربط ذلك صراحةً بـ"الإرهاب في كشمير"، لنصبح أمام تكتيك بسيط في جوهره لكنه بالغ الفاعلية يفيد بأن "من يرثي أهل غزة هو من ينصر أعداء الهند".

وثّقت دراسة الباحث كيران جاريميلا  المنشورة في يناير الماضي هذا التلاعب المنهجي، وكشفت كيف انتشرت الروايات المؤيدة لإسرائيل داخل مجموعات واتساب الموالية لحزب بهاراتيا بسرعة تفوق بكثير أي رواية مخالفة، من خلال تداول معلومات وصور ومقاطع مزيفة تربط بين "التهديد الإسلامي" في السياقين الهندي والإسرائيلي.

بينما رصدت الصحفية الهندية سواتي تشاتورفيدي، التي عملت داخل هذه الشبكة، في كتابها "I Am a Troll" آليات تحركها من الداخل، فالمتطوعون لا يُعبّرون عن آرائهم الشخصية، إنما يتلقون مواد جاهزة، ومؤطّرة، تحوّل "فلسطين" من قضية إنسانية إلى خطر جديد يهدد الهوية الهندوسية.

امتدت محاولات فرض هذه التوجه إلى سبل الترهيب، فمنذ أكتوبر 2023 سُجّلت نحو 17 قضية جنائية في سبع ولايات ضد ناشطين وأفراد بسبب منشورات والمشاركة في احتجاجات داعمة لفلسطين، بعضها وقع تحت طائلة قانون مكافحة الأنشطة غير القانونية سيئ السمعة الذي يُتيح الاحتجاز لفترات مطوّلة دون محاكمة.

أرسلت هذه الملاحقات رسالة واضحة بأن التعبير عن التضامن مع فلسطين لن يمرَّ بسلام، لكنها أثارت انتقاداتٍ واسعةً من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة، إذ لا تزال هناك بعض الأصوات الجادة التي ترفض هذا التحول وتعتبره انحرافًا صريحًا عن الهوية التاريخية للهند بوصفها دولة معادية للاستعمار وداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها.

على سبيل المثال اتهم حزب المؤتمر الوطني الهندي، أبرز أحزاب المعارضة، رئيس الوزراء بإظهار "جبن أخلاقي" بسفره إلى إسرائيل بينما تتصاعد الانتقادات الدولية لحرب الإبادة في غزة. كما وصف الحزب الشيوعي الهندي الماركسي الزيارة بأنها "خيانة للقضية الفلسطينية" وشرعنة لـ"نظام نتنياهو القاتل"، وقال أمينه العام إم إيه بيبي إن احتضان مودي لإسرائيل الصهيونية وسط هجومها المتواصل على فلسطين يمثل "خيانة لإرث الهند المناهض للاستعمار".

على الصعيد المدني، أصدر منتدى التضامن الهندي مع فلسطين بيانًا في فبراير 2026 طالب فيه بالتبرؤ من الزيارة. وفي الأوساط الأكاديمية، يواصل أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دلهي أشين فانايك توثيق ما يُسميه "الانحطاط الأخلاقي-السياسي" الناجم عن التقارب الأيديولوجي بين الهندوتفا والصهيونية.

ما يحدث في الهند ليس فقط تغيرًا في السياسة الخارجية وانحيازاتها، هو نموذج لكيفية إعادة تشكيل الرأي العام من الداخل عبر أيديولوجيا تُعيد تعريف الهوية، وآلة رقمية تضخّ رواية يومية، وقوانين تُكبّل الاحتجاج.