تصميم: يوسف أيمن- المنصة
في الأنظمة الاستبدادية تبدو المؤسسات المعنية بتطبيق الديمقراطية شكلية

استدعاءات وغرامات وحجب.. "الأعلى للإعلام" بين "الضبط" و"الحصار"

منشور الأحد 3 أيار/مايو 2026

خلال عام ونحو نصف العام من رئاسة المهندس خالد عبد العزيز؛ استخدم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام "استدعاء الممثل القانوني للمؤسسة الصحفية أو القناة"، أكثر من أي أداة أخرى متاحة له لأداء مهامه فيما يصفه بـ "ضبط العمل الإعلامي"، وتراه تقارير حقوقية امتدادًا لدور رقابي أوسع على وسائل الإعلام.

فمنذ توليه المنصب في ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى نهاية أبريل/نيسان الماضي؛ رصدت المنصة 54 حالة استدعاء، تلتها الشكاوى بـ26 حالة، ثم الغرامات المالية بـ24، ومنع الظهور بـ23، وفق قاعدة بيانات جمعناها من موقع المجلس ومن صفحته على فيسبوك، وصنفناها حسب نوع الإجراء، مع احتساب الشكاوى المتعددة من الجهة نفسها في الواقعة الواحدة كشكوى واحدة، حتى وإن شكت عشرات المواقع.

تُظهر البيانات أن المسار الأكثر تكرارًا في أداء المجلس تجاه ما يعتبره مخالفات، تبدأ غالبًا بشكوى أو رصد، يليه استدعاءٌ، ثم الغرامة أو منع الظهور. وفي حالات أخرى اتخذ المجلس إجراء أشد تمثّل في 6 قرارات بالحجب، وحالتي إنذار بالحجب، إلى جانب قرارات متفرقة بحذف محتوى، أو وقف برنامج، أو منع حلقة، أو حظر نشر، أو منع تداول.

لا نقيس هنا مشروعية كل قرار بحد ذاته أو ملابساته، لكننا نحاول الوقوف على نمط المجلس في استخدام هذه الأدوات، ونضعها ضمن سياقاتها وأدوار "الأعلى للإعلام" واختصاصاته التي يحددها القانون، ونقف على بعض الأثر الذي قد يرتبه عمل المجلس في توجيه العمل الإعلامي والصحفي، ما يطرح سؤالًا عن الحدود الفاصلة بين التصحيح المهني، والتحكم في المجال الإعلامي.


الغرامات المالية

تأسس المجلس الأعلى للإعلام في أبريل 2017 استنادًا إلى نص قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، ويتشكل من 13 عضوًا، وتتنوع اختصاصاته ما بين تلقي الإخطارات بإنشاء الصحف ومنح التراخيص اللازمة لإنشاء وسائل الإعلام وتشغيلها، وتلقي وفحص شكاوى ذوي الشأن عما ينشر بالصحف أو يبث بوسائل الإعلام ويكون منطويًّا على مساس بسمعة الأفراد أو أي تعرض لحياتهم الخاصة.

تتيح قائمة الاختصاصات الواسعة للمجلس اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية في حال مخالفتها للقانون أو لمواثيق الشرف، وعلى رأسها توقيع الغرامات المالية التي وصل عددها منذ تولي عبد العزيز حتى نهاية أبريل الماضي إلى 24 قرارًا، تجاوزت قيمتها الإجمالية 2.2 مليون جنيه، شملت مواقع إلكترونية وقنوات فضائية وبرامج إعلامية.

بدأت هذه القرارات بتثبيت غرامة قدرها 250 ألف جنيه على موقع القاهرة 24 بعد رفض تظلم ممثله القانوني محمود المملوك لمخالفة "النظام العام والآداب"، وخلال أقل من عام ونصف، بلغت الغرامات المفروضة على الموقع نفسه 450 ألف جنيه بعد قرارين لاحقين؛ الأول في يوليو/تموز 2025 بناءً على فحص الشكاوى المقدمة من "الشركة المصرية للاتصالات" وشركة "إندرايف" للنقل الذكي، والثاني في أبريل 2026 بتغريمه 100 ألف جنيه بسبب نشر الموقع أخبارًا وعناوين تتسم بالإثارة وعدم الدقة.

لم تقف آثار القرار الأخير عند الغرامة. فوفقًا لخمسة من مسؤولي النشر في "القاهرة 24" تحدثوا لـ المنصة، صدرت بعد الاستدعاء تعليمات داخلية بتجنب العناوين الساخنة أو غير الدقيقة، تزامن معها إعداد كتاب أسلوب جديد/Stylebook جديد، ووقف نشر بعض أخبار الحوادث والاقتصاد، والامتناع عن نشر أخبار تتعلق بزيادات الأسعار، إضافة إلى نشر بعض المواد على الموقع دون مشاركتها عبر فيسبوك.

وجاءت هذه التعليمات، بحسب المصادر، لتجنب تكرار ما وصفه المجلس في قرار الاستدعاء بـ"نشر أخبار وعناوين تتسم بالإثارة وعدم الدقة، بما قد يساهم في إثارة البلبلة والتأثير سلبًا على الأوضاع الاقتصادية".

إنفوجراف يوضح المواقع والقنوات المعاقبة بالغرامة بقرارات المجلس الأعلى للإعلام في الفترة من ديسمبر 2024 حتى نهاية أبريل 2026


شملت قائمة العقوبات المالية موقع "عين مصر" (100 ألف جنيه) بسبب نشر معلومات كاذبة وتشهير لأحد الشركات العقارية وأحد المطاعم، وموقع "الصفحة الأولى" الذي تراكمت عليه غرامات بإجمالي 75 ألف جنيه (25 ألفًا لنشر محتوى مخالف، و50 ألفًا في شكوى شركة "نيو جيزة")، بينما توزعت الغرامات على مواقع أخرى بشكل أقل، مثل تليجراف (50 ألف جنيه) والعاصمة نيوز (25 ألف جنيه) وأموال الغد (10 آلاف جنيه).

في المقابل، جاءت القنوات الفضائية أكبر متلقٍ للغرامات من حيث التكرار والقيمة، وتصدرت قناة "النهار" القائمة بإجمالي 250 ألف جنيه؛ 100 ألف في مارس 2025 و150 ألفًا في مارس 2026 بسبب عدم احتفاظ القناة بتسجيلات توثيقية كاملة لكل البرامج والمواد التي بثتها لمدة 12 شهرًا بالمخالفة للقانون، تلتها قناة "الشمس" بإجمالي 200 ألف جنيه عبر عدة قرارات متتالية، ثم قنوات مثل "الأهلي" و"مودرن إم تي أي" و قناة "هي" و"الزمالك" بغرامات بلغت في كل منها نحو 100 ألف جنيه في القرار الواحد، وإن تكررت في بعض الحالات مصحوبة بإجراءات إضافية كإيقاف البرامج أو منع ظهور إعلاميين.

وبين هذه الحالات، تظهر قنوات مثل "صدى البلد" و"TEN" ضمن الفئة الأقل نسبيًا من حيث حجم العقوبات، بإجمالي 75 ألف جنيه و50 ألف جنيه على التوالي، لكنها تبقى ضمن نفس النمط العام غرامات مالية تتراوح بين 50 و100 ألف جنيه كحد قياسي، تتصاعد في بعض الحالات أو تتكرر وفق طبيعة المخالفة.

الحجب

رغم أن المجلس هو السلطة المختصة فى مصر لحماية الرأي والفكر والتعبير، وضمان استقلال الإعلام، طبقًا لنصوص الدستور والقانون فإنه لجأ إلى ما هو أبعد من الغرامات التي قد تُرى أداةً قابلةً للاحتواء داخل المؤسسات، باعتبارها جزاءً ماليًا لا يوقف عمل الوسيلة بالضرورة، لتكشف قرارات الحجب مستوى أكثر حدةً؛ إذ ينتقل الإجراء من معاقبة محتوى أو مخالفة بعينها إلى تعطيل الوصول إلى المنصة نفسها.

تأتي واقعة حجب موقع "إيجبتكِ" نموذجًا لهذا الانتقال. ففي أبريل 2026، وبعد نحو 24 ساعة من قرار استدعاء الممثل القانوني للموقع بناءً على شكوى من وزارة الزراعة، أوصى المجلس بمخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لحجب الموقع، متهمًا إياه بعدم استيفاء شروط الترخيص و"نشر أخبار واختلاق وقائع" من شأنها زعزعة استقرار الأسواق.

وقتها انتقد أحد مسؤولي التحرير بالموقع، في تصريح لـ ـالمنصة، سرعة الانتقال من الاستدعاء إلى الحجب، معتبرًا أن المبررات عامةً، لم تحدد الوقائع محل المخالفة بدقة.

لم تكن الواقعة منفصلة عن مسار سابق. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، كان الموقع نفسه طرفًا في أزمة أخرى مرتبطة أيضًا بملف الدواجن، انتهت بالقبض على مالك الشركة المالكة للموقع ورئيس تحريره، بعد بلاغ من رئيس شعبة الدواجن بالغرف التجارية بشأن مادة صحفية قال إنها نسبت إليه تصريحات لم يدلِ بها، في واقعة أثارت انتقادات نقابية بسبب غياب الإخطار القانوني.

وقتها قالت الإعلامية قصواء الخلالي خلال بوست على فيسبوك، أن الشركة التي يملكها شقيقها مرخصة وحصلت على موافقات من كل جهات الدولة، وأن الموقع الإلكتروني مقنن وصادر له كل الأوراق اللازمة لعمله، ويعمل به نحو 250 صحفيًا.

وربطت قصواء القبض على شقيقها بـ"حملة ممنهجة" تتعرض لها منذ أغسطس/آب 2024، مشيرة إلى أن هذه الحملة شملت "المنع (الإعلامي) من الظهور في كل مكان، وقطع رزقي من كل موضع استشاري أو إعلامي، ومنع كل التعاقدات معي، وإغلاق برنامجي فجأة في المساء مع قصواء، والاستيلاء على مستحقاتي وأجري وحقوقي، وترهيب كل العاملين معي، وإطلاق شائعات وحملات إلكترونية ضدي ومنعي من الكتابة ومن المشاركة في الحياة السياسية كلها وتحذير الجميع بعدم التعامل معي، التزمت الصمت و الصبر". 

تحتل مصر المركز 169 من إجمالي 180 دولة في حرية الصحافة

خلال أقل من عام، استخدم "الأعلى للإعلام" أداة الحجب نفسها في ما لا يقل عن 6 قرارات، منها ما طال مواقع إخبارية مثل العاصمة 24 لنفس السبب وهو عدم الترخيص، وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. 

وتحتل مصر المركز 169 من إجمالي 180 دولة في حرية الصحافة، وفق التقرير السنوي الذي أعدته منظمة مراسلون بلا حدود في مايو/أيار 2026. وترفض نقابة الصحفيين حجب المواقع الصحفية، وكما أكد نقيب الصحفيين خالد البلشي لـ المنصة في وقت سابق فإن النقابة موقفها من هذه الإجراءات "واضح وثابت"، وأن مبررات كـ"عدم استيفاء بعض المواقع لإجراءات الترخيص"، التي تطرح أحيانًا "لا تُغيّر من موقفها الرافض للحجب"، واعتبارها إياه إجراءً غير مقبول.


ويوضح البلشي أن نقابة الصحفيين تطالب بتعديل النصوص القانونية التي تتيح حجب المواقع بهذه الصورة، داعيًا إلى قصر قرارات الحجب على الأحكام القضائية فقط، باعتبارها الضمانة القانونية السليمة، مؤكدًا أن النقابة ترى في حجب المواقع "عقابًا جماعيًا" للمؤسسات الصحفية، وترفضه بشكل كامل.

منع الظهور

كما يطول الحجب المنصات الصحفية والإعلامية، يطول أيضًا ظهور مقدمي البرامج والمعلقين فمنذ منتصف 2025 حتى أبريل 2026، رصدت المنصة أكثر من 25 قرارًا بين منع ظهور إعلاميين وضيوف، ووقف برامج، وحذف حلقات أو محتوى كامل.

كان من بين أحدث هذه القرارات وقف هاني حتحوت، مقدم برنامج "مودرن سبورت"، لمدة ثلاثة أسابيع، مع تغريم قناة "مودرن إم تي أي" 100 ألف جنيه، بناءً على شكوى من النادي الأهلي. وجاء القرار بعد حلقة تحدث فيها حتحوت عن غضب محمود الخطيب، رئيس النادي، من تهميشه في قرارات مجلس إدارة النادي.

طالت سياسة منع الظهور طيفًا واسعًا من الإعلاميين والضيوف، من بينهم اللاعب السابق ومقدم البرامج الرياضية أحمد حسام ميدو، والموسيقار والعازف هاني مهنا، والمذيعة بسمة وهبة، والمذيعة ياسمين الخطيب، ونجم الأهلي والزمالك ومدرب كرة القدم السابق رضا عبدالعال. وتراوحت مدد المنع بين أسابيع وعدة أشهر، وتكون غالبًا على خلفية "تصريحات مسيئة" أو "مخالفة المعايير".

بالتوازي، امتدت القرارات إلى وقف البرامج أو حذف محتواها مع المنع من الظهور والغرامة للقناة، كما حدث مع برنامج "السر في الحدوتة" على قناة "الحدث اليوم" على خلفية استضافة القناة أحد المتهمين في قضية تحرش وتناول تفاصيلها، ومنع إذاعة حلقات من برنامج "ملكة التريندات"، وحذف محتواها من المنصات الرقمية بسبب ما تضمَّنه من محتوى يروِّج للخرافات والدجل وأعمال السحر والشعوذة، بما قد يثير الشك ويسبب القلق للمشاهدين ويطعن في الحقائق العلمية والثوابت الدينية بحسب المجلس.

ترخيص المواقع

لا تظهر قرارات المجلس كلها في صورة عقوبات أو استدعاءات أو منع الظهور. فخلال فترة الرصد، أعلن المجلس الموافقة على ترخيص 57 موقعًا وتطبيقًا إلكترونيًا كان منها مواقع "مستقبل مصر نيوز " و"خبر لايف" و"استثمارك نيوز" و"الفوركس العربي"، و"الحكاية أونلاين"، و"منتهى نيوز"، و"عقار تريند"، و"سيتي توداي"، و"الهضبة اليوم".

لكن ملف الترخيص نفسه يظل أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصًا في ظل شكاوى مواقع مستقلة من رفضها مثل موقعي مدى مصر و فكر تاني، أو طول أمد البت في طلباتها. 

وتأتي المنصة ضمن المواقع التي تنتظر البت في طلب ترخيصها، إذ تقدمت بطلب أول في أكتوبر/تشرين الأول 2018، ثم أعادت التقديم في أغسطس/آب 2020 بعد دعوة المجلس المواقع التي سبق أن تقدمت إلى استخدام الاستمارات الجديدة عقب صدور اللائحة التنفيذية، ولم تتلق المنصة ردًا حتى الآن. 

كثير من قرارات المجلس اتخذت على أساس مهني

تأسس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بديلًا ضمنيًّا لمرحلة ما بعد وزارة الإعلام، مع اختصاصات تشمل تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والصحافة المطبوعة والرقمية، وضمان حرية الصحافة والإعلام، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة مصادر التمويل، ووضع الضوابط والمعايير المهنية.

بالنظر إلى أداء هذا المجلس، نرى الكثير من القرارات التي اتخذت على أساس مهني؛ بعضها ارتبط بأخبار غير دقيقة، أو حماية الأطفال، أو الفصل بين الإعلان والإعلام، أو منع انتهاك الخصوصية أو ضبط فوضى المحتوى الرياضي.

كما أن المجلس في بعض الحالات، لم يتجه إلى العقوبة المباشرة، بل اعتمد على "الإجراءات التصحيحية الذاتية" داخل المؤسسات الإعلامية. ظهر ذلك بوضوح في حالة قنوات "صدى البلد"، حيث اكتفى المجلس باعتماد قرار القناة حذف فقرة من برنامج "أنا وهو وهي" وفتح تحقيق داخلي، وكذلك في حالات سابقة لقنوات مثل "TEN" و"النهار" و"الشمس"، التي بادر بعضها بمنع ظهور ضيوف أو إيقاف فقرات استجابة لملاحظات المجلس، وهو ما اعتبره المجلس نموذجًا مفضلًا للتعامل مع المخالفات دون تصعيد.

في مقابل هذا، لا شك أن قرارات مثل الاستدعاءات والغرامات المالية ومنع الظهور تؤثر على وسائل الإعلام، وتهبط بالسقف، وتقدم الحذر على جرأة الوصول للحقيقة، كما يظهر أن المجلس ينتزع بعض صلاحيات النقابات، وعلى رأسها نقابة الإعلاميين والصحفيين، وسبق وثارت أزمة في عام 2018 ونقابة الإعلامين على تنازع الصلاحيات.

كما يبدو لافتًا ضمن البيانات أن قنوات ومواقع الشركة المتحدة، التي تملك الحصة الأكبر في الإعلام ما بين قنوات ومواقع وصحف، لم يرد لها ذكرٌ أو نصيب في قائمة عقوبات المجلس ولا في استدعاءاته، ولم يُمنع أيٌّ من إعلامييها وضيوفها من الظهور.