تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الكاتب الصحفي رضوان السيد

تلك هي جنة رضوان السيد

منشور الأربعاء 27 أيار/مايو 2026

عادة ما يحمل المثقف العربي السلَّم بالعرض. لا يعجبه العجب، جَسورٌ، ينتقد كل شيء وكل أحد بقوة 220 فولت، من سياسة الحكومة وأداء أكبر رأس في بلاده، إلى الله في علاه. لكن هذا المثقف، الذي يرفض القَداسات، أحيانًا يقدّس ذاته، أعصابه عارية لا تحتمل مرور تيار ضعيف قوته 9 فولت؛ فيرفض أن يمسَّه أحد ولو باختلاف في رأي.

عن كل ذلك أنزّه الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية. أنزّهه ولا شأن لي بحرصه على هذا التعريف في مقالاته في صحيفة الشرق الأوسط السعودية "كاتب ومفكر ومترجم سعودي من أصل لبناني". أنزهّه، وأحتفظ بالحق في الدهشة.

بين الهوية والجنسية

شغلني تعريف الدكتور رضوان السيد لنفسه، عن محتوى مقالاته. لا أتصور أنهم فرضوا عليه هذه الصيغة، "سعودي". لا أعرف كيف ارتضاها، من باب دقة الاصطلاح، وليس ما يفرضه التعريف من مهام.

هذا التعريف يقترن بكتَّاب غادروا الوطن، وربما غادرتهم اللغة. البعض ينال تقديرًا رفيعًا في بلد منحه جنسية جديدة، ورغم ذلك ينتسب إلى البلد الأصلي. أحمد زويل ومحمد البرادعي، كلاهما نال جائزة نوبل، مرشَّحًا ومدعومًا بإنجازٍ في بلد المهجر والإقامة والجنسية، وظل حريصًا على أنه "مصري".

هذا يشمل عربًا مرموقين كتبوا بلغاتٍ غير لغاتهم الأصلية: إدوارد سعيد، وآسيا جبار عضو الأكاديمية الفرنسية، وأمين معلوف الأمين العام للأكاديمية الفرنسية الذي قد أعود إليه بعد قليل. في النقلة من لبنان إلى المملكة، لم تتغير اللغة. ليس للسعودية أبجدية اكتسبها الدكتور رضوان السيد الذي ربما يكون أول لبناني عابر الجنسية، إلى السعودية.

إدوارد سعيد مثال لثبات المبدأ، في أجواء ملغومة، كارهة عن علم أو عن جهل

حتى العرب الذين يكتبون بلغات أجنبية، اضطرارًا أو اختيارًا، لا يرفعون هذه اللافتة. في الاضطرار يتّخذون اللغة الجديدة غنيمة حرب. وفي الاختيار يرونها جسرًا أسرع إلى قاعدة أوسع من القراء في العالم. اللغات المكتسبة منصَّات يراها العالم، تختصر عمليات الترجمة وما يسبقها ويليها من إقناع الناشرين والقراء بجدارة الإبداع العربي.

كم من كاتب عربي كبير، أكثر موهبة ممن يكتبون بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية، لولا ظلم اللغة العربية له؛ لأننا في هذه المنطقة الموبوءة غير مرئيين، ضحايا الاستشراق والإرهاب والاستبداد. حيثيات منح نجيب محفوظ جائزة نوبل ذكرت أربعة أعمال ليس منها "الحرافيش" المنشورة عام 1977؛ فلم تكن مترجمة، والعربية لغة غير مرئية.

ليست اللغة والجنسية الجديدتان هدية مشروطة، ولا عربون إذعان للمانح. لعلها اختبار طوعيٌّ لمنسوب الصلابة. إدوارد سعيد مثال لثبات المبدأ، في أجواء ملغومة، كارهة عن علم أو عن جهل. امتدَّ الثبات من انتقاده المواقف الأمريكية من قضية بلاده، إلى الاستقالة من المجلس الوطني الفلسطيني؛ اعتراضًا على ياسر عرفات وثمار اتفاق أوسلو، وفي كتابه غزة ـ أريحا: سلام أمريكي اعتبره سلامًا تحت وصاية الولايات المتحدة، وأنه "محصلة للاستسلام العربي، غير الضروري وغير الحتمي، العديد من الحكام العرب يتصرفون وفقًا لعقلية العبيد، فيتحرقون شوقًا إلى حفل استقبال ضخم تقيمه واشنطن لهم، ويعُدُّون هذا الاستقبال ذروة نجاح حياتهم السياسية"، فماذا عن أمين معلوف؟

الضمير والولاء

في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ندَّد مؤرخون يهود ضميرهم الإنساني لم يمت، أمثال آفي شلايم وإيلان بابيه وغيرهما، بعدوان إسرائيل على قطاع غزة، وأعلنوا أنه جريمة حرب، سمعتُ أمين معلوف في قناة فرانس 24 يقول بالعربية كلامًا فاترًا مخيّبًا للآمال، أمام إبادة يدينها عقلاء اليهود، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

المُحاور السوري وسيم الأحمر قدم معلوف باعتباره الكاتب الروائي الأمين العام الدائم للأكاديمية الفرنسية. لكن الرجل أظهر درجة من الدبلوماسية التي تقول كل شيء ولا تقول شيئًا. لا أراه غافلًا، وإنما هو نموذج الهارب من جحيم الشرق. وطأة الفاتورة تثقل لسانه، بل تعقده عن كلمة الحق. فوجب الترحُّم على روح إدوارد سعيد.

التزمتُ بألا أناقش اختيار التجنّس وحرية الإعلان عنه. واحتفظت بحق الدهشة من جنسيات عربية ليست جنسيات تمامًا. هذا الإجراء، في عالم عربي لم يبلغ مفهوم "الدولة"، أشبه بإقامة ذهبية تغني عن تأشيرة الدخول، ولا أظنها تجعل صاحبها يتبوَّأ مكانة تؤهّله لها مواهبه وقدراته.

في هذه المنطقة السائلة، قد ننام في ملكية، ونصحو في جمهورية

في فرنسا حيث يوجد عدل وإيمان بالكفاءة، يترأس اللبناني أمين معلوف، مدى الحياة، مؤسسة عمرها نحو أربعة قرون. وكانت المغربية رشيدة داتي وزيرةَ العدل، والمغربية نجاة بلقاسم وزيرةَ حقوق المرأة. كما أتاحت قواعد المساواة الإنسانية للمغربية خديجة عريب أن تُنتخب رئيسة للبرلمان الهولندي عام 2016. أما عندنا، فانتهى زمن يصير فيه التونسي محمد الخضر حسين شيخًا للأزهر.

في هذه المنطقة السائلة، قد ننام في ملكية، ونصحو في جمهورية. لا رهان على أحد. لا ثبات لشيء. ماذا لو هبَّت عاصفة تجعل الجنسيات أكبر من العائلات وأثبت وأبقى؟ منذ عقود، سمعتُ مقارنة بين ذهنيتَي المصري واللبناني. هناك مصريون يتلقَّون أموالًا للكتابة عن هذا أو ذاك. وهناك لبنانيون يتقاضون أموالًا لكيلا يكتبوا؛ اتقاءً لأقلامهم.

المقارنة أسبق من حلم بجنسية أسرة. وللجنسيات الممنوحة ضريبة، بالاختيار أو بالإيعاز. نفيتُ وجود أبجدية تسوّغ هذا التجنّس، فما البديل؟ ربما تبنّي خطاب يتعفف عنه الأصلاء. وهنا أنتهي من تعريف الدكتور رضوان السيد لنفسه "سعودي من أصل لبناني". وباختصار أقرأ جانبًا من محتوى ثمرة هذا التعريف.

أحجار من بيت زجاجي

بثقافته الموسوعية يمتلك الدكتور رضوان السيد بصيرة ورؤية كلية، لولا انشغاله عن ذلك بأمور متغيَّرة تضعه في قلب المشهد. والموجود داخل لوحة لا يرى التفاصيل كافة، ويأخذ اتجاهًا محددًا. ولا تحيط العين باللوحة الكاملة إلا عبر ضبط مسافة تسمح بالتأمّل، وإعادة النظر في العلاقات بين العناصر، واستعجال ملاحقة اليومي واللحظي يؤدي إلى خطاب متوتّر، زاعق يجيده أي أحد يتفادى إدانة العدوان، وذكر المعتدي ومن أين ينطلق؟

في مقالاته في صحيفة الشرق الأوسط، لا يدين القصف الصهيو-أمريكي لمدرسة إيرانية، ويقول إن "الهجوم الإيراني الكبير على دول الخليج والأردن والعراق والذي فاق في حدته وحدوده الهجمات على إسرائيل لا يزال مجهول الأسباب".

وفي مقالٍ تالٍ يفسر انحياز قوميين ويساريين إلى إيران بأنهم "مدعومون من إيران، أو لأنهم يعادون أمريكا وإسرائيل". وبحياد يليق بكاتب إسكندنافي لا تبلغه شظايا القصف، يقول في مقال آخر "معظم دول العالم ما كانت تحبذ الحربَ الأخيرة التي قام بها الإسرائيليون والأمريكيون منفردين". لا يسميها عداونًا صريحًا منزوع الشرعية.

لا أريد الاسترسال، وأكتفي بمقاله "لماذا يتحزّب بعض المثقّفين العرب لإيران؟" في موقع أساس ميديا. يتجاهل العدوان، ويقول "ليست لدى إيران ولدى الكتبة العرب معذرة غير الكراهية والحسد". هؤلاء "المتأيرنون"، في تقديره، "عديمو التأثير"، يجيدون "الإمعان في الفشل... أو الذهاب باتجاه الانتحار بحجة الاستمرار في التحرير الموهوم"، فلماذا يهتم بهم؟

ما أسهل ارتداد خطاب الدكتور رضوان السيد عليه، بالقوة نفسها من خصوم ألسنتهم أكثر حدَّة في النيْل من المثقف الوظيفي، ومن الداعية الوظيفي الذي مثَّله القطري المصري يوسف القرضاوي، فلم يكتفِ بالتبشير بين مؤمنين، وإنما غرز في أوحال السياسة. سأله مذيع فضائية الجزيرة "يُذكر موضوع قاعدة السيلية التي هي مركز القيادة الأمريكية في قطر التي أنت موجود فيها، ما هو تعليقك على وجود هذه القاعدة؟". تبدَّى ذكاء السؤال في "وجود هذه القاعدة"، وليس إذا كانت موجودة أمْ لا؟ فأجاب الشيخ بيقين "أنا أنكر وجود القاعدة في قطر". أشفقت عليه. ليته قال: هذا ليس شأني؛ فليس له منصب سياسي أو عسكري.

بعد إنهاء حكم الإخوان، اضطرب القرضاوي، ولقَّبه البعض بمفتي الناتو.. ذكَّره المذيع باصطلاح فقهي إسلامي يوجب طاعة "المتغلّب بالسيف". وسأله: هل ينطبق على عبد الفتاح السيسي؟ فأجاب بأن السيسي ليس متغلّبًا بالسيف. إجابة تنقض الرواية الإخوانية. ثم نادى بما لم يجرؤ على إطلاق مثله لتحرير فلسطين، فأفتى بضرورة الجهاد في مصر، داعيًا مسلمي العالم "في كل مكان، وفي كل بلاد الدنيا" ليكونوا شهداء في مصر. دعوة القرضاوي للشهادة في مصر غير وطنية. أتذكَّر الداعية الوظيفي، وأتذكَّر المثقف الوظيفي، فأسأل الله حسن الخاتمة. آمين.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.