تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
بدأ الإنسان الكتابة لأنه يريد ألا ينسى، لأنه يريد ترك أثر.

على سرير الكتابة.. ناصر أبو سرور فوق صهوة اللغة

منشور الاثنين 1 حزيران/يونيو 2026

على سرير الكتابة (2025) هو ثاني كُتب أو قُل "مكاشفات" الأسير الفلسطيني المحرر ناصر أبو سرور. كتابه الأول حكاية جدار (2022) جاء متقلبًا بين محاوره المتداخلة، ما بين خزي المخيم الذي ساقه إلى الانتفاضة، والانتفاضة التي قادته إلى سجن صهيوني في أراضيه المحتلة عام 1967، ثم تغريبته داخل أراضيه المغتصبة عام 1948، ثم قصة حبه المبتورة المطعمة بالحرمان جراء السجن.

مزيد من الكشف الموجع

وكأن الكتابة طبيبه الذي يتمدد أمامه، ليخرج قلبه بين راحتيه. يكشف عن ذاته بلا مواربة، فنجد قلوبنا عارية أمامنا، وكأنه يتحدث عنا. كتاب يحكي عن أسير، لاجئ، تحت الاحتلال، فإذا به يحكي عن كل مهزوم في العالم. وجدتني أردد جملة زياد الرحباني: "المعتر بكل الأرض هو ذاته". 

عرفت ناصر أبو سرور بين طيات حروفه، خجولًا، قرر التمرد على حيائه. يعتذر قبل أن يخلع قطعة تستر جراح قلبه الغائرة، ثم يتدفق الألم من بين السطور، فترى نفسك في مرآته.

ناصر كاتب من الطراز الفخم، لكن أكثر ما يميزه هو براعة الاستهلال، فكما استهل حديثه عن السجن بوصف الحب في كتابه حكاية جدار (2022)، يستهل حديثه عن الاحتلال والغربة والألم بالحديث عن الكتابة والقراءة.  

ما أنا بقارئ

"اقرأ"، الكلمة الأوسع انتشارًا في الثقافة العربية، حتى أصبحت تستخدم بشكل ممجوج، في قوالب جاهزة تستنهض "أمة اقرأ". لكن القارئ عند ناصر أبو سرور هو إله سادي، وهو عبد متأمل، وفيلسوف أجوف، ومبحر مندهش. 

في موقع القارئ أنت السيد على الكتاب والكاتب، أنت من يملك النقد، والسخرية، والتفكيك. أنت من تمحو جهد أشهر وربما أعوام بقلب شفتك السفلى وأنت تتحدث عن عرق أصابع الكاتب. أنت السلطة، وأنت الإله الذي يقدم له الكاتب القرابين ليسترضيه. وهكذا ظل ناصر طوال سنوات السجن، يقرأ ويسخر، يقرأ ويفند، يقرأ ويهزأ، يقرأ ويهدم، يقرأ ويبني. 

في مدارس المخيمات يُستجلب المدرسون المحبطون ليفرغوا في ذوي الأجساد الواهنة غضبهم وهزيمتهم

ثم ينتقل بنا الكتاب إلى فصل "اكتب". ربما كتب ناصر هذا الفصل بفعل حيائه المتجذر في نفسه. وكأنه يعتذر لنا عن إقدامه على الكتابة، ويضع تفسيرًا، لنسامحه، فأسس وأجمل نظريات الكتابة وأضفى عليها دماء قلبه.

بدأ الإنسان الكتابة لأنه يريد ألا ينسى، لأنه يريد ترك أثر. لا يريد أن يصبح باطلًا. لكن عجلة الزمان دارت دورتها وها هو يعود من حيث بدأ، كل الإنسان باطل، أمسه ويومه وغده. 

يعود الأسير إلى الحقبة الأولى من المحاولات الإنسانية للتدوين، فيثبت وجوده على جدران سجنه، كما أثبت أجداده وجودهم على جدران الكهوف. كان الإنسان أسير الكهف والوحش والرعد والبرق والجوع والبرد، وها هو يعود سجين وحش الاحتلال ورعد القصف وبرقه وجوع الرأسمالية وزمهرير الوحشة. 

يكتب الأسير ليثبت حقه في جدران سجنه، ليؤكد على استمراره حتى بعد موته. 

رواية "على سرير الكتابة" للأسير المحرر ناصر أبو سرور

يعطينا ناصر أبو سرور درسًا في الكتابة وجدواها وأسبابها وما تعالجه وما تبنيه وهو يعتذر لنا، مخبرًا بأنه بلغ عامه الخمسين بعد أكثر من ثلاثين عامًا في السجن، وأنه أصبح لديه ما يقول، وأنه يخشى هروب ما لديه قبل أن يقوله.

ربما تكون الكتابة علاجًا، لكنها ليست كذلك لمن هم في مكان ناصر، فالسجن أدّبه بعد أن شردَّه، ودواه بعد أن أسقمه، وعلمه بعد أن جهل عليه، وبنى ذاته بعد أن كسرها. 

المصارحات  

ما أسهل تعلُّم "حرفة" الكتابة، وما أصعب الغوص في لبها وغزو قلبها. الكتابة لا تعرف الكاذب، مهما أتقن. كما أنها لا تعرف المنصاع بلا مراجعة أو المتمرد في غير موضع. الكتاب كائن حي، قد يوافيك مواعيده، وقد تتنافران، وقد يزهدك قبل أن تتولى عنه، أو يعانقك قبل أن تقبل عليه. 

أسير فلسطيني، قضى جوهرة عمره خلف قضبان الظلم، يقدم لك الكتابة وكأنه يتحدث من داخل روحك. وكأنه يعلم تمامًا عن إحباطاتك، وهزائمك، وأكوانك التي تمنيت الترحال إليها فأشاحت بوجهها عنك، وأوزارك التي أثقلت الحياة كاهلك بها ولم تفلح في التحلل منها. وكأنه يفتح لك ساحة تنازل فيها نفسك لتنتصر، وتكون الكتابة أول أرض ترفع عليها راياتك. 

يصارحنا ناصر أبو سرور بقتل ضابط إسرائيلي كان بارعًا في قنص المتظاهرين ماهرًا في تعذيب المعتقلين

قد يغريك الحديث عن محاور الكتاب التي يبرع ناصر في جدلها، فترتب شعث الأنفس، وتشتت القلوب. بيد أن لناصر أبو سرور براعة في الرقص بعصا الألم على صهوة اللغة، فلا تعلم أتقرأ لتداوي هزيمتك بين سطوره، أم لتستلذ حلاوة منطقه؟ 

لغة جامحة، فصيحة، مليئة بالمفردات، والتعبيرات، والتشبيهات متفاوتة الألوان والطعوم والروائح، تلين في يد الكاتب، وتنيخ ظهرها ليمتطيها دون مقاومة، فتجيء لينة هينة، تشرح المشاعر الإنسانية، فتجفل أنت من عري نفسك.

في البدء كان المخيم

في المخيم، تنهك الظهور بحمل خطيئة النجاة بالحياة. تحاصرهم أصابع غير مرئية: "هؤلاء الذين هربوا"، يشهرون مفاتيح بيوتهم لتقيهم أشباح الأعين المزدرية. يفصل بين المخيم والمدينة المحتلة، بيت لحم، سور، باطنه فيه العزلة، وظاهره من قِبله التجاهل. 

في مدارس المخيم التي تؤسسها الأونروا، يُستجلب المدرسون المحبطون، ليفرغوا في ذوي الأجساد الواهنة غضبهم، وهزيمتهم، وانتكاساتهم المتتابعة. أما مدارس المدينة، فيتلصص ناصر على طلبتها من خلف السور، ليجدهم، سعداء، ينعمون بالنظام والنظافة والترتيب، مدينة ومخيم، كلاهما تحت الاحتلال، يفصل بينهما سور يخلق منهما عالمين، حياتين، شعبين. 

رواية "حكاية جدار" للأسير الفلسطيني المحرر ناصر أبو سرور

الخصوصية شبح عزّت زيارته إلى المخيم؛ مبانٍ متجاورة حتى الاختناق، جيران يحلون مشاكل البيوت المجاورة من النوافذ، أكوام من اللحم تتكدس في مكان ضيق. أما المدينة فبيوتها أصيلة، جميلة، تفصل بينها حدائق مزهرة، يفوح منها عبير الزهور والثمار.

يتسور ناصر المدينة، ويسير في طرقاتها المعبدة، فلا يراه أحدٌ من سكانها. يحملق في وجوههم مستجديًا ولو نظرة كراهية. لكن الوجوه كأنها بلا أعين، أو كأنه شفيف لا يراه المارة. 

قد يجمع الاحتلال بين المدينة والمخيم، غير أن الفارق الطبقي يضرب بينهما بفاصل لا تلاقيَ فيه. 

المعتر بكل الأرض هو ذاته

ربما تشم رائحة سكان الأحياء الفقيرة والعشوائيات في أي مدينة عربية داخل المخيم. ربما سمعت حفيف أشجار الأحياء الراقية بمدينتك في بيت لحم. 

أما القرية، فتراها في قرى بلادك العربية كما هي، صامتة، تقاوم هجوم الأغراب وتوسعاتهم بالسباحة مع التيار، تنتقل من مكانها الذي اقتنص منها، لتنقل عاداتها وتقاليدها إلى مكانها الجديد، وسرعان ما تألفه، وتعيد إنتاجه. القرى إسفنجية، تمتص الصدمات، ثم تعود لسابق عهدها.

ما زال ناصر يصحبنا إلى المدينة في زياراته المختلسة، لا يراه أحد، رغم وضوحه، ليمنعه. حتى رأته إحدى ساكنات المدينة. كانت في الثلاثين وكان في الخامسة عشر. قربته حتى أفرغت فيه شحناتها الممزقة. أفضل ألا أفصل في رواية هذه التجربة المروعة في جرحها لأنني مهما تحينت اللغة لن أبرع في الرواية كصاحبها. لقد أفرد صاحب الكتاب لرواية تفاصيل هذه التجربة، وما تشكل منها من مخلوقات وأشباح، وما ترمز إليه من العبث بأرواح الناس لتسكين الذنوب. 

انتفاضة التطهر 

تندلع الانتفاضة لتحرر أبناء المخيم من أثقالهم. لم يعد بهم صبر على حمل المفاتيح الصامتة. حان وقت النصر. وكان قد دنا... لكن السياسيين. قدم المخيم أعجب آيات الفداء، وارتفع فوق ظالمه، والصامت عن ظلمه، حتى غدا عملاقًا يجثو العالم تحت قدمه العارية… لكن السياسيين. سار المخيم، لا يلوي على شيء، وسارت خلفه الأطفال، ولاحقته الأعين، وكان قد اقترب من خط النهاية… لكن السياسيين. 

لأول مرة يصارحنا ناصر أبو سرور بقتل ضابط إسرائيلي. كان الضابط قد عُرف لأبناء المخيم بالاسم، كان بارعًا في قنص المتظاهرين، ماهرًا في تعذيب من اعتقل منهم. 

رسالة إلى "القاتيل"

اشتق ناصر أبو سرور كلمة "القاتيل" من دمج كلمتي "قاتل" و"قتيل". ربما خاطب الضحايا قاتليهم. لكنني لا أذكر أن قرأت رسالة من "القاتل" إلى "القاتيل". هنا سأصمت ويتحدث ناصر:

"لم أهدف قتلك، بل جئت أقتل خوفنا منك ومن الذي ترويه عن أرضنا، عن سمائنا، عن بحرنا، عن سهلنا، عن صحرائنا، عن أسماء قرانا، عن أوصاف أوليائنا عن أنبيائنا، عن أصنامنا وعن برتقالنا. وأقتل خوفنا من بقائك فينا طويلًا، من رهابنا تعدد الأسماء في شخصك، من عجزنا عن التنفس قريبًا من رئتيك، من تحايل نبضك على قلوبنا في صدورها، من استحالة الحياة في نعيمك، من حداثتك فوق بدائيتنا وبساطتنا وسهولة عيشنا وموتنا، من اعتنائك بأجسادنا بعد سحلها وسلخها، من همسنا حين نلعن أسماء آلهتك وازدحامها في سمائنا، من لقائنا حبيباتنا في شارع مضاء لا يتقن التستر من عيونك…"

ثم يختتم قائلًا:

".....لا، هذه ليست كتابة اعتذار، ولا هي جاءت تبرر أو تضيف تفسيرًا منطقيًا لحدث غير معقول وقع في لحظة ضيقة في زمن هاجس فاقد لوعيه ولإحساسه بمعايير الوقت وبإحداثيات المكان، ولا أنا جئت أرثيك وأختصر في المسافات بيني وبينك وبين وجهي وأقدامك الثقيلة وبين موتي وقتلك، وليست كتابة انتصار تعلن نهاية الحروب وفراغنا منك وسلامة وجوهنا ونجاة أيامنا وخروجنا من أسفارك العتيقة، وليست كتابة مهزومة قلمت أظافرها وأقلامها وصهر السجن وعيها وثبط من عزيمتها وزرع الشك في وثوقها روايتها وحتمية انتصارها، بل إنها كتابة أتصارح من خلالها وعن طريقها مع "أنا" تقادمت عليها السنون وتآلبت عليها الجدران…" 

ولا أظن تعليقًا يجدر بهذه الكلمات. ولا أظن ردًا أبلغ منها على المنهزمين والمنبطحين والمتسائلين عن جدوى المقاومة، المبررين لكل رذيلة، والمنددين بكل فضيلة لا تنبت ذهبًا ولا فضة. 

ها نحن معك في السجن

لم أقف في أدب السجون على وصف أكثر إرباكًا من وصف ناصر أبو سرور لأسره. يغرق في التفاصيل بتصاعد يقيك الملل، يجذبك على مهل إلى زنزانته، حتى تختلف دقات قلبك، ما بين مرتعد، أو مختنق، وبين مستمتع، بل ومخطط "لمستقبلك في السجن"! 

وضعت قوائم من الإنجازات التي أردت إنجازها في زنزانتي مع ناصر في جزء من الثانية، ثم تنبهت أنني لست أسيرة. قرعت الباب صارخة "أخرجوني" ثم وعيت أنني لست مسجونة.

ربما أسهب ناصر في وصف السجن وملحقاته في كتابه "حكاية جدار". هذه المرة، يجلس على سرير الكتابة ليروي لنا كيف صادق السجن، كيف رأف بحاله، واستشعر ضيقه وعزلته، كيف تحرر منه وهو ما زال بداخله، كيف واجهه ولم يكن واهمًا، وكيف صارعه ولم يكن منهزمًا، وكيف سالمه ولم يكن مستسلمًا. 

على سرير الكتابة، يجلس ناصر أبو سرور يشاكس اللغة فصاحةً وبساطةً ووضوحًا وعمقًا واقتصادًا وإسهابًا.  فلسطين عارية يثخن جسدها جراح ماض وحاضر ومستقبل. تشخص الأبصار لامعة بجولة ناصر أبو سرور مع الكتابة، راجين أن يعيد كرَّاته مرات ومرات.