سيناريو آخر لمصير الزعيم.. عبد الناصر مرشدًا للإخوان
سنة باقية على اليوبيل الماسي لما جرى ليلة 23 يوليو 1952. ألا تكفي 75 سنة لقراءة دماغ جمال عبد الناصر؟ كظاهرة كونية معقَّدة لا يكفي امتداحها، ولا أن تبسّطها لعنات تتكرر في عيد ميلاده (يناير/كانون الثاني)، وفي ذكرى الهزيمة (يونيو/حزيران)، وذكرى الثورة (يوليو/تموز)، وذكرى وفاته (سبتمبر/أيلول)، وبذكر إعلان استقلال السودان أو انفصاله عن مصر (ديسمبر/كانون الأول).
الرجل كأنه حيٌّ، تلاحقه الإدانات. وتُستدعى صلابته صوتًا وصورةً كلما حلَّت أزمة عربية: تهديد تركي لسوريا، عدوان على اليمن، وصاية أجنبية على كيانات الخليج، تنازلٌ عن جزيرتي تيران وصنافير. فهل بقيت، من كتاب عبد الناصر، صفحة مطوية؟ ربما. ماذا لو صار مرشدًا للإخوان؟
المسارات البديلة
تجاهُـل حرف "لو" أبسط دروس التاريخ؛ فما جرى قد جرى، وصار تاريخًا. ولا يصح افتراض مسار آخر إلا ما حفرته الوقائع، مهما تكن أسبابها الهزلية ومصادفاتها العجائبية. لنا أن نتساءل: ما شكل الخرائط الأوروبية وملحقاتها "لو" لم ينهزم نابليون؟ كم مذبحة في القلعة، وفي غيرها، كان "الجزار" أحمد باشا سيرتكبها "لو" امتد به الأجل، وحكم مصر؟ تحت وطأة الاحتلال العثماني، كان أحمد باشا الملقَّب بالجزار هو البديل الدامي لمحمد علي. لنتخيَّل الجحيم الأرضي "لو" انتصر أدولف هتلر، وتمكن من سحق جيوش أعدائه؟ لنرسم العالم خاليًا من شاه إيران، ومن آثار الخمينية ونظرية ولاية الفقيه معًا، "لو" نجح مشروع الدكتور مصدّق.
كان الشعب سيشهد محاكمات عسكرية تقضي بإعدام الضباط الطائشين بتهمة الخيانة العظمى
لا مكان لحرف "لو" في تاريخ مثقوب، يزدحم بفراغات وفضاءات لا تسدُّها كتب المؤرخين، وتغري الروائيين. الخيال يفسح مجالًا للرواية، بكتابة مصائر أخرى لأبطال التراجيديا، ولشعب يظلُّ استمراره في الحياة بطولة، وهو يجابه الإفقار والفساد والاستبداد. ماذا "لو" تمكنت أجهزة الملك فاروق من اعتقال الضباط الأحرار، نهار 22 يوليو 1952؟ أي مصير كان ينتظر هؤلاء القادمين من المجهول ولا يحميهم حزب؟ ماذا "لو" تأخر يوسف صدّيق عن التحرك ساعة؟ كان الشعب سيشهد محاكمات عسكرية تقضي بإعدام الضباط الطائشين بتهمة الخيانة العظمى. نجحت الثورة، فلنتخيَّل العالم الآن فاقدًا نصف شروره "لو" أن عبد الناصر أرضى كبرياء سيد قطب بمنحه وزارة المعارف.
بمناسبة مائتي عام على حكم محمد علي، نظم المجلس الأعلى للثقافة ندوة دولية، عام 2005، وأصدر كتبًا قرأتُ في أحدها أن محمد علي أرسل إلى نابليون في المنفى يقترح تهريبه، داخل ماسورة في حاوية. ورفض الإمبراطور.
نابليون ومحمد علي كلاهما عبقري ولد عام 1869، والعباقرة ينتظرهم أحيانًا مصيرٌ تراجيدي. بعد انتصارات كاسحة جاءت الهزيمة. ربما تغيرت خرائط العالم "لو" قبِل الخطة، ونجحت المخاطرة. لنا أن نتخيَّل آثار تحالُف الباشا والإمبراطور على الدولة العثمانية، "لو" وثق الإمبراطور بمحمد علي، ووافق على خطة تهريبه داخل أنابيب فوق سفينة تجارية، لكي يرجع إلى عرش فرنسا. يؤسفني أن هذا الكتاب تاه في غابة المكتبة.
ناصر الوجه الآخر
في بحثي عن الكتاب التائه، عثرت على كتاب قرأته قبل ثلاثين سنة، عنوانه أسرار العلاقة الخاصة بين عبد الناصر والإخوان. في الكتاب، الذي نشره مركز الحضارة العربية في القاهرة، عام 1996، يتقصى الكاتب الصحفي سليمان الحكيم جذور تلك العلاقة، حتى بلوغها فراقًا بلون الدم.
القسم الأكبر من الكتاب تسجيل شهادة القاضي الدمرادش العقالي على تلك الفترة المبكرة في حياة عبد الناصر الذي يراه "نبتة إخوانية... الابن الشرعي لتنظيم الإخوان". كان المستشار العقالي شاهدًا على فصول من تلك العلاقة، بلقاءات عائلية مع سيد قطب، وأخرى مع عبد الناصر، ويرى قراراته، مثل تطوير الأزهر والتقريب بين المذاهب، دالَّة "على أنه وفيٌّ جدًّا للشيخ حسن البنا".
عبد الناصر انخرط في صفوف الإخوان عام 1942 مشكلًا مع آخرين الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في الجيش
أخطر ما تضمنته شهادة العقالي أن البنا، حين أيقن باقتراب نهايته، كتب وصية "بأن يكون المسؤول عن جماعة الإخوان المسلمين في حالة اغتياله أو غيابه هو عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز الخاص أو "التنظيم السري" للإخوان المسلمين، وإذا لم يكن السندي موجودًا يصبح جمال عبد الناصر حسين هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين".
للوصول إلى هذه الذروة، سأوجز ما سبقها، وأعيد ترتيب المشهد. كان العقالي زعيم الطلبة الإخوان في جامعة القاهرة، عضوًا بارزًا في التنظيم السري المسلح للإخوان. وكان أول دفعة كلية الحقوق عام 1954، ونشرت صحيفة "الإخوان المسلمون" برئاسة تحرير سيد قطب خبر التفوُّق مصحوبًا بالتهنئة في الصفحة الأولى، "فكان ذلك سبب عدم تعييني معيدًا بالكلية أو بالنيابة. وكان ذلك أول ثمن أدفعه لقربي من سيد قطب في ذلك الوقت"، إذ جمعت العقالي وقطب صداقة مبكرة، لانتمائهما إلى قرية موشا بأسيوط. وقطب قريب زوجة العقالي. وفي أواسط الأربعينيات، في أجواء إخوانية يمثلها العقالي وشقيق زوجته، كان قطب "يكثر من سباب حسن البنا... كان سيد قطب كثيرًا ما يعقد مقارنات بين جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الحشاشين"، ويشبه البنا بحسن الصباح زعيم الحشاشين.
سجل العقالي أن عبد الناصر انخرط في صفوف الإخوان عام 1942، "مشكلًا مع عبد المنعم عبد الرؤوف وأبو المكارم عبد الحي ومحمود لبيب الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في الجيش". ذلك التشكيل السري صار فرعًا "للجهاز الخاص" للإخوان. وقدَّر البنا أنه بالجناحين، المدني بقيادته هو والسندي والعسكري بقيادة عبد الناصر، سيتمكن من التغيير والاستيلاء على السلطة عام 1955.
للتاريخ رأيٌ آخر
لكن الخطط تغيرت بعد حرب فلسطين، وفي ديسمبر 1948 قرر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي حل الجماعة. وبعد عشرين يومًا اغتاله محمود عبد المجيد عضو التنظيم السري للإخوان. واعتقل جميع القيادات إلا البنا. "أيقن الرجل أنه استبقي ليصفى... فأعدَّ وصيته وذهب بها ليسلمها إلى صالح حرب باشا في جمعية الشبان المسلمين". سلَّم الوصية، وقُتل عند خروجه.
وكتب خالد محيي الدين في مذكراته .. والآن أتكلم أن البنا ضمَّه هو وعبد الناصر "إلى الجهاز السري للجماعة"، وأنهما قابلا عبد الرحمن السندي، وأُدخلا "غرفة مظلمة تمامًا"، وردَّدا قسم الولاء وأيديهما "على مصحف ومسدس".
أوفى عبد الناصر بما تعهد به لعبد الرحمن السندي وأفرج عن جميع معتقلي الإخوان بمن فيهم قتلة النقراشي
اغتيل البنا يوم 12 فبراير/شباط 1949، بعد تسليم الوصية. وبعد أيام اعتُقل عبد الرحمن السندي، "فلم يبق لقيادة الحركة غير جمال عبد الناصر" المحاصر في الفالوجا، فانتظره صالح حرب باشا "ليبلغه بوصية المرشد العام قبل اغتياله. وقد حضر جمال عبد الناصر ومعه الصاغ محمود لبيب".
وفي النهر تدفقت مياه كثيرة، وأدرك عبد الناصر أن المهمة "أثقل من أن يتحملها تنظيم واحد"، لكن عبد المنعم عبد الرؤوف رفض التعاون إلا مع الإخوان، فلا يضع يده إلا في أيدٍ "متوضئة"، فأسس عبد الناصر تنظيم الضباط الأحرار. وبنجاح حركة الجيش، في يوليو 1952، أوفى عبد الناصر بما تعهد به لعبد الرحمن السندي، وأفرج عن جميع معتقلي الإخوان "بمن فيهم قتلة النقراشي".
خصومة للأبد
أسست الثورة "هيئة التحرير"، بدلًا من الأحزاب السياسية التي تم حلها، وعُيّن سيد قطب أمينًا عامًّا مساعدًا، وكان "رسول جمال عبد الناصر إلى التجمعات الطلابية"، لشرح ضرورة "إطلاق يد الثورة.. وكان شديد الولاء لجمال عبد الناصر وقوي الإيمان بزعامته"، وانتظر أن يسند إليه وزارة المعارف (التعليم الآن)، ثم فوجئ بتعيين الضابط كمال الدين حسين وزيرًا للمعارف، فكتب قطب إلى صديقه عبد الفتاح الترامسي ناظر مدرسة موشا الإعدادية بأسيوط "العسكر استكثروا على سيد قطب وزارة المعارف.. والله سأجعلهم يدفعون ثمن استهانتهم بي غاليًا". واتجه قطب إلى الإخوان، وبدأت عاصفة لم تهدأ إلى الآن.
وجه قطب الفاشي المتعطش للدماء اتضح بتحريضه على إعدام العاملَين الشابَين مصطفى خميس ومحمد البقري
ليس العسكر وحدهم من دفعوا الثمن. لا يزال العالم كله تقريبًا يدفع أثمانًا متفاوتة. وزارة المعارف ربما منعت الخطر، "لو" كوفئ بها سيد قطب.
أيُّ رجل هذا الذي يحمل الشرُّ، وتحمله العصبية والتشدد من معسكر إلى آخر؟ في ربيع قطب مع الثورة كتب في مجلة "الرسالة" مقالًا عنوانه أخرسوا هذه الأصوات الدنسة، داعيًا إلى منع أغنيات محمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش ورجاء عبده وليلى مراد وفايدة كامل، "إلى الأبد"؛ لتربية "روح هذا الشعب تربية جديدة.. واجبنا هو أن نصون ضمائر الناس وأخلاقهم من التميع والشهوات المريضة".
وجه قطب الفاشي، المتعطش للدماء، اتضح بتحريضه على إعدام العاملَين الشابَين مصطفى خميس ومحمد البقري، في احتجاج بشركة مصر للغزل والنسيج، في كفر الدوار يومي 12 و13 أغسطس 1952. كتب في صحيفة "الأخبار"، 15 أغسطس، تحت عنوان "حركات لا تخيفنا": "كان أمر الله مفعولًا... لقد أطلع الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب". وقضت محكمة عسكرية بإعدامهما.
أيُّ مثقف هذا الذي لا يحتفظ له يوتيوب إلا بمقطع صوتي يبشر فيه بالدم "إن الطريق مفروشة بالأشواك. لا. بل إنها مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء"؟
ارسم المشهد معكوسًا: سيد قطب يحكم مصر، وعبد الناصر مرشد الإخوان. كيف نتخيَّل المعادلة الجديدة؟
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.