موسى والخروج.. تلفيق يسيء إلى العلم والدين
لم أشعر، منذ سنين، بمثل هذا الاستفزاز بعد انتهائي من قراءة كتاب، كما حدث مع كتاب "موسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر" لوزير الآثار المصري السابق ممدوح محمد الدماطي.
من الاستفزاز ما هو إيجابي "يأكل الدماغ"، يهزّ ثوابت، يحثّ على التفكير وإعادة النظر في مسلمَّات. والباحث عن الحقيقة يتحرَّى هذا النوع من المؤلفات المقلقة التي تزلزله، تُفيقه من أوهام موروثة، وتنقذه من آفات اليقين.
أما الاستفزاز السلبي فيعني خيبة الأمل في عمل متهافت، يستبدل بالمنطق وبالمنهج العلمي توفيقًا بين نقيضين، العلم والدين؛ فيترنَّح بين الوفاء لقواعد البحث واعتماد رواية إيمانية لا تُناقَش، ولا تستهدف التوثيق العلمي، وإنما "العبرة".
مؤلف الكتاب، الذي أصدرته الدار المصرية اللبنانية، حيَّرني. أربكني وشكَّكني. ليس الإرباك الحميد ولا الشكَّ الإيجابي، وإنما الداعي إلى الإشفاق على حيرته، وتردده بين السير خطوات على طريق المنهج العلمي، والتوجُّه بخطوات تالية إلى منبر، يصعده واثقًا لإلقاء خطبة الجمعة.
الدين والتاريخ
من جديد، يجب التذكير ببديهيات ألحَّ عليها طه حسين مبكرًا. شارك العميد في مؤتمر دولي للعلوم التاريخية في بلجيكا، وبعد أسبوع كتب من باريس، في 16 أبريل/نيسان 1923 أن "العلم يجب أن يُطلب لأنه علم". نشر ذلك في كتابه من بعيد. وفي هذا الكتاب فصل عنوانه "شك ويقين"، كتبه في 27 أبريل 1923، يأسى فيه على الذين يسرفون في اليقين.
المسرفون في اليقين سلالة لا تنتهي، ولا يصيبها اليأس. طه حسين ضرب مثلًا بالشيخ محمد بخيت الذي ناقش عالمًا أجنبيًّا، فحشد قواه وعلمه "ليثبت أن الإسلام دين العلم، بل ليثبت شيئًا آخر غير هذا وهو أن القرآن الكريم لا يناقض بلفظه ولا بمعناه أصلًا من أصول العلم الحديث"، واستنبط من القرآن كروية الأرض وحركتها حول نفسها وحول الشمس، واختلاف الليل والنهار، "فأعجبت بهذا الجهد العنيف الذي لا مصدر له إلا البر والتقوى". وقد اعتقد المسلمون في العصور السابقة أن الأرض ثابتة، "وأن القرآن يدل على أنها لا تدور"، حتى أثبت علماء أوروبا أنها تدور، بعد معركة حوكم فيها العالم جاليليو.
تساءل طه حسين "أليس من الخير ألا نغلو.. ألا نحمِّل نصوص القرآن وغير القرآن من الكتب الدينية أوزار الشك وأوزار اليقين.. أن نجعل القرآن الكريم وغيره من الكتب الدينية في حصن مقدس منيع". وتمنى النأي بالدين "عن اضطراب العلم".
فماذا فعل أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة الدكتور ممدوح الدماطي، العميد المؤسس لكلية الآثار بجامعة عين شمس؟ باختصار، اجتهد وأتعب نفسه، وجمع ما استطاع من إشارات مصدرها الكتب المقدسة، لكي يرجح افتراض أن فرعون الخروج هو الملك رمسيس الثاني، استنادًا إلى "أن النصوص القرآنية والتوراتية تتوافق مع فترة حكمه ومع طبيعة الأحداث التي وقعت في شرق الدلتا".
في المقدمة، يصف كتابه بأنه "دراسة علمية منهجية رصينة، تعتمد على تحليل النصوص الدينية، ومناقشات المعطيات التاريخية والأثرية". هذا مأزق الكتاب الذي كان مشروعًا مؤجلًا منذ خمسة عشر عامًا، حتى كلفه "معالي الدكتور" وزير التعليم العالي بوضع تصور لمسار الخروج، "بما يتفق مع المشروع القومي الذي يرعاه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي". لعل المتخصصين في تحليل الخطاب يضعون أيديهم على نشوء وارتقاء صفات مجانية استلابية، ذات رنين نحاسي، ولا لزوم لها؛ فيكفي الوزير أنه وزير بلا "معالي"، والرئيس بلا "فخامة". ليس هذا وحده ما شغلني في المقدمة، وإنما تكرار الكلام، بضع مرات، عن فرعون "الذي عارض موسى عليه السلام".
الرواية الدينية لا تقول إن فرعون عارض موسى. تبديل طرفَي المعادلة تزوير. لنتخيَّل رضيعًا تنشله ويعيش في بيتك، ولا تحرمه من التردد على قومه. يكبر فيقتل رجلًا من شعبك، ويهرب. ثم يعود إليك ثائرًا متحديًا.
الإيمان والعلم
بالتسليم الإيماني تؤخذ القصة كما وردت، لا يهم كثيرًا أن يكون مسرحها فارس أو مصر التي لا يشيع فيها اسما هامان وقارون. يذكر القرآن أن لنا "في قصصهم عبرة"، وأن الله أنزل "أحسن القصص". وفي سورة طه: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى". إذا كان الله قد جنَّبنا الشقاء، فلماذا نبحث عنه، ونغلو في بحث لو شاء الله لأنهاه بتسمية فرعون موسى؟
اعتصار النص "المقدس" واحتلابه بتعسُّف توفيقي، جعل كتاب الدماطي تلفيقًا يسيء إلى الدين وإلى العلم. مصر هي الدولة الوحيدة التي تستأثر بعلم ينسب إليها. ويتأكد للمؤلف، وللباحثين في علوم المصريات والتاريخ، عدم وجود أدلة أثرية أو تاريخية لبني إسرائيل في مصر، إقامة أو خروجًا. وتنفرد التوراة بذكر رحلة النبي إبراهيم إلى مصر، حين حلَّ الجوع في كنعان. ولا أثر مصري، أو غير مصري، يوثق زيارة ادَّعى فيها أن سارة أخته "قولي إنك أختي، ليكون لي خير بسببك" (سفر التكوين، الإصحاح 12). كما لا يوجد دليل، حتى الآن، على أن مصر هي مسرح حادث خروج بني إسرائيل.
النصوص المقدسة حزمة واحدة إيمانية لا تخضع للعقل
أقول "حادث"؛ لأن الخروج وفقًا للعهد القديم الذي يستند إليه الدماطي كان زلزالًا، تسونامي بشريًّا لا بدَّ أن يترك آثارًا عسكرية، ويخلخل الخريطة الديموجرافية لبلد هرب منه، "ستمائة ألف ماشٍ من الرجال عدا الأولاد. وصعد معهم لفيف كثير أيضًا مع غنم وبقر مواشٍ وافرة جدًّا" (سفر الخروج، الإصحاح 12). السيطرة على هذا العدد، وتنظيم هروبه ليلًا، تكاد تستحيل على رجل تجاوز الثمانين، إذ يقول المؤلف "وتوضح الروايات أيضًا أن موسى قضى ثلاث مراحل زمنية متساوية في حياته؛ الأولى 40 سنة في مصر قبل هروبه إلى مدين، والثانية 40 في مدين، والثالثة بعد عودته لمصر وقيادته بني إسرائيل للخروج".
أي "روايات"؟ المؤلف لا يجيب، ولا يجد سندًا إلا العهد الجديد، (سفر أعمال الرسل، الإصحاح السابع).
المؤلف يقول إن موسى "عندما بلغ الثمانين، أوحى الله إليه بالعودة إلى مصر لمواجهة فرعون". المؤلف يزعجه مأزق السن، وهذا قلق محمود، فلا يستطيع التسليم باستمرار فرعون واحد في الحكم أكثر من ثمانين سنة.
مأزق وجد له سفر الخروج حلًا فنيًّا، بأن الرب ساعة التجلي بشَّر موسى بموت فرعون: "مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك" (سفر الخروج، الإصحاح الرابع). لكن الدماطي يبدو متربصًا برمسيس الثاني. يتعمد ألا يعتقه؛ فيرجّح أن موسى تعامل مع فرعون واحد، "ولا داعي لافتراض وجود فرعونين مختلفين.. يُعد رمسيس الثاني مرشحًا قويًّا لهذا الدور، نظرًا لأنه حكم مصر لمدة حوالي ستة وستين عامًا".
لو أنصت المؤلف إلى فضيلة الشك، ما خلط الدين بالعلم. يجب التسليم بالدين اعتقادًا. والعلم يخضع للصواب والخطأ. قد يثبت غدًا صواب ما نراه اليوم خطأ. أما انتقاء نص مقدس، لدعم افتراض مبدئي، فهو طعن في النص المتروك.
المنهجي والمقدس
النصوص المقدسة حزمة واحدة إيمانية لا تخضع للعقل. قصة موسى وغيرها للاعتبار، ولا تنتظر إثبات تاريخيتها، ولا الاستدلال على حدوثها في الدولة المصرية، أو في أي "مصر" من الأمصار. وقد تنتهي عقلنة النصوص بالإنكار، كما قال الكاتب الفرنسي ليو تاكسيل، في كتابه التوراة.. كتاب مقدس أم جمع من الأساطير إن موسى "ليس سوى شخصية خرافية خلقها أحبار الدين اليهودي" (صفحة 524).
خلط الدين بالعلم تلفيق. يقول المؤلف إن عمق بحيرة الخروج ستة أمتار. هل هذا الارتفاع يجعل الماء المنفلق "كالطود العظيم"؟ خلط الحقائق التاريخية بانتقاء نصوص دينية انتهى إلى ما يردده الصهانية، حتى إن مناحيم بيجن، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مساء 17 سبتمبر/أيلول 1978، قال إن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بذل جهدًا "يفوق العمل والجهد الذي بذله أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرام"، فأضحك كارتر وأنور السادات. كان بيجن يعي أن تزويره التاريخَ ليس نكتة. والدماطي يذكر أن بني إسرائيل أقاموا "في موقع إستراتيجي استُغل لاحقًا من قِبَل فرعون لتسخيرهم في بناء هاتين المدينتين"، بر-رعمسيس وبيتوم في شرق الدلتا.
الخلط أوقع الكتاب في مأزق آخر. ابنة فرعون حين انتشلت موسى من الماء، لن يكون عمر أبيها أقل من عشرين سنة. فإذا كان موسى بعث في سن الثمانين، فهذا يعني أن فرعون بلغ المئة. كم استمرت المناهدة بينهما؟ لنفترض أنها أيام؛ لكي يظل فرعون في سن المئة، عندما "أصدر فرعون أمره إلى موسى عليه السلام ومن معه بمغادرة مصر فورًا". أمرهم بالرحيل فلماذا يتعقَّبهم؟ يذكر المؤلف أن بضع مئات خرجوا مع موسى، وظل بقية بني إسرائيل في مصر. هل كان أحدهم ليعجزه تدوين مأساة الراحلين، وتوثيق ما فعله فرعون بالباقين؟ اللحظة مواتية؛ لأنه غرق. وهذا يسلمنا إلى مأزق آخر.
قبل هذا المأزق بخطوة أضحكني قول المؤلف "يُظهر القرآن كيف استخدم فرعون سطوته لقمع المعارضة وتكريس سلطته". تساءلت: معارضة؟ معارضة؟ أهذا خطاب يلائم نظام حكم في القرن الثالث عشر قبل الميلاد؟ هل يقصد مصر الآن، بعد تعثر مشروع الثورة؟ سأتكلم عن رمسيس الثاني أسلم. لقد حكم نحو 67 عامًا، تقريبًا بين عامَي 1304 و1237 قبل الميلاد. فرعون الخروج، بتقديرات التوراة، "غرق" في سن المئة. ورمسيس الثاني، بتقديرات علماء التاريخ والمصريات، مات في فراشه "موتة ربنا"، في سن الثالثة والتسعين. في هذه السن، هل يستطيع مطاردة الهاربين؟ ألا تمنعه كبرياؤه أن يتعقَّبهم بنفسه في الماء؟
أتأسى لتمصير علم المصريات. كأنه لا امتداد حقيقيًّا لجهود الرواد، من سليم حسن إلى عبد العزيز صالح وأحمد قدري وعبد الحليم نور الدين. الحصاد الآن يمثّله كتاب الدكتور الدماطي الذي يستشهد بآية سورة الأعراف "فدمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه"، دليلًا على تحول مدينة بر-رعمسيس إلى أطلال. لكن بقاء المدينة، بعد رمسيس الثاني، ينسف هذا الزعم، فيجادل بأن مكانة المدينة تراجعت بعد نهاية الأسرة التاسعة عشرة (الرعامسة)، بسبب إهمال صيانة منشآتها الضخمة. هذه الآية لا تخصُّ رمسيس الثاني، رغم أنف اليهود، فآثاره الصرحية باقية، تنافس ما تركه البناؤون العظام في عصر الإمبراطورية، وبخاصة تحتمس الثالث وأمنحتب الثالث.
وفي غياب الإضافات العلمية إلى جهود الرواد، يظل الاعتماد على الترجمات، فأغلب الحصاد الآن سياحي، وأشهر تمثيلاته كتابات زاهي حواس وحكاياته.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
