التحالف السعودي-التركي-الباكستاني.. كيف يربح الاقتصاد المصري؟
إن سَهُل تخمين أسباب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في سياق التوتر العسكري غير المسبوق في الخليج، سيكون من المبكر، بل ربما من المبكر للغاية، تحليل التداعيات الأمنية والسياسية لمثل هذا التحالف الدفاعي بين أغنى بلد عربي بالنفط وأكبر قوتين عسكريتين مسلمتين في العالم؛ بما في ذلك الدولة النووية المسلمة الوحيدة.
هناك العديد من الأسئلة التي يستدعيها هذا التحالف؛ هل يمهد مثلًا لصدام عسكري بين تركيا وباكستان من جانب، وإيران ووكلائها في العراق واليمن من جانب آخر؟ ماذا سيكون موقف تركيا أو السعودية من أي حرب محتملة بين باكستان والهند؟ الأهم هل سيكون الاتفاق بديلًا عن التصور الأمريكي المهيمن على المنطقة منذ عقود كـحامي حمى الخليج؟
على قدر غموض الاتفاق، وصعوبة الإجابة على أسئلته الكبرى في الوقت الراهن، فإن المؤكد أنه يحمل أخبارًا جيدةً للاقتصاد المصري، كيف ذلك؟
ماذا يعنينا من الاتفاق؟
تقوم القراءة الاقتصادية الاستشرافية التي أقدّمها في هذا المقال على افتراض أن يقود الاتفاق العسكري إلى استقرار الخليج؛ بتعبير آخر تحقيق بعض التوازن في القوة لصالح السعودية بعد اختلاله خلال السنوات الأخيرة.
بالطبع لا نستطيع القطع بأن هذا الاتفاق سيؤدي حتمًا لحماية المصالح السعودية، لكنه بلا شك يمثل فرصةً لقراءة طريقة القيادة السعودية الجديدة في إدارة الصراع مع أطراف عدة؛ بدءًا من الحوثيين في اليمن، أو لمواجهة تهديدات أمن الملاحة عبر مضيق باب المندب بالتزامن مع إغلاق إيران مجددًا لمضيق هرمز.
إذا تطورت الحرب في الخليج فإن عودة العمالة المصرية واردة وتشكل خطرًا على الاقتصاد المصري
وليس خافيًا علينا أن هذه الاضطرابات ليست بعيدةً عن مصر، وهو ما تأكد في الفترة الأخيرة، بالأخص بعد هجوم الطائرة المسيرة على دمياط. وإن أنكرت أطراف الصراع كافة علاقتها به، تشير العديد من الترجيحات إلى أن "الحادث" مرتبط بتطورات الحرب الأمريكية الإيرانية.
ربما تكون حادثة دمياط ذروة الانخراط المصري في الصراع بالمنطقة، لكن سبقها العديد من التداعيات مثل التهديدات التي يتعرض لها مسار السفن عبر قناة السويس، سواء خلال الحرب الإسرائيلية على غزة أو في الحرب الأخيرة.
أضف إلى ذلك مسألة تذبذب صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر، وهو طرف جديد في معادلة الطاقة بمصر، إذ بتنا نعتمد عليه باعتباره البديل الأرخص في مقابل الغاز المسال المستورد، لكنه أضحى عرضة للانقطاع سواء خلال حرب غزة أو الحرب على إيران، ما دفع الحكومة للتوسع في استيراد الغاز لضمان تجنب مثل هذه الصدمات.
بل إن الآثار الاقتصادية امتدت إلى واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية بالنسبة لمصر، ألا وهي تحويلات المصريين العاملين في الخارج، فإن زادت وتيرة هذه التحويلات خلال الحرب على إيران بدافع القلق من الهجمات على الخليج، بالتالي انعكست هذه بالإيجاب على الاقتصاد في المدى المباشر، لكنها في الوقت ذاته مؤشر خطر حال اتسع مدى الحرائق في السعودية أو الإمارات أكثر من ذلك. لربما هَّم وقتها الكثيرون ممن يعملون هناك بالعودة إلى مصر بما يقطع السبيل أمام التحويلات المستقبلية.
كل هذه الخلفيات تشير إلى أن الاتفاق ليس بعيدًا عن الاقتصاد المصري.
ما الذي يستفيده اقتصادنا؟
في المجمل يمكن القول إن توجهات القيادة السعودية المتجلية في استدعاء تركيا وباكستان إلى المشهد قد تصب في صالح مصر اقتصاديًّا على عدة أصعدة.
أولًا: يعكس التحالف الدفاعي التزام تركيا وباكستان بأمن المملكة العربية السعودية، ما يعني حماية منشآت حيوية على رأسها مصافي النفط ومنشآت البنية الأساسية الأخرى كالمطارات والمواني، التي تعرضت لمخاطر متكررة في الآونة الأخيرة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي للمملكة في المدى الطويل.
قطع الطريق على الاتفاقات الإبراهيمية أولوية لمصر لضمان بقاء قناة السويس نقطة مركزية في التجارة العالمية
يمثل ذلك أهمية اقتصادية للدول الداخلة في الحلف، خصوصًا باكستان، أو المجاورة لهذا الحلف والمرشحة للانضمام له مثل مصر. فالسوق السعودية واحدة من أهم الاقتصادات التي يعمل فيها مواطنو كلا البلدين، وتمثل التحويلات 9.9% و11.4% من الناتج المحلي لباكستان ومصر على التوالي في 2025، وهي نسب بالغة الارتفاع، وماسة بشكل مباشر بمستويات المعيشة في البلدين.
إذًا فأي ترتيب أمني بديل عن الضمانات الأمنية الأمريكية المتآكلة يدعم الحفاظ على هيكل الاقتصاد السعودي يصب في صالح البلاد الأكثر تصديرًا للعمالة إليها. هنا ينبغي التذكير بأن الطبيعة الدفاعية للاتفاق، والمواقف السابقة للبلدين ولمصر كذلك، من شأنه أن يقلل من مخاطر الانجرار إلى مواجهة في اليمن (ناهيك عن إيران نفسها)، وهو الملف الأمني والسياسي المفتوح الذي يواجه المملكة منذ أكثر من عقد بعد فشل التدخل العسكري في تغيير الوضع في صنعاء.
ثانيًا: يحمل الالتزام الدفاعي المشترك -ومرة أخرى مع فرص انضمام مصر إليه- فرصًا لتحالف إقليمي أوسع لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وهي مسألة غاية في الأهمية لمصر بالنظر إلى قناة السويس، التي تضررت بالفعل أشد الضرر على وقع تدخل الحوثيين لإعاقة الملاحة عبر باب المندب في 2023 و2024.
هنا يبرز دور تركيا مع السعودية -أكثر من باكستان هذه المرة- إذ إن استحضار وزن هاتين الدولتين بجانب مصر من شأنه أن يردع إعاقة حركة الملاحة عبر المضيق من جانب، لكنه من جانب آخر يطور ترتيبًا أمنيًّا إقليميًّا بديلًا سيعمل بحكم التعريف على عزل المحور الإسرائيلي-الإماراتي الناشئ في أرض الصومال وإثيوبيا وربما السودان بالتزامن مع تكثيف التعاون المصري-التركي في السودان والصومال.
ومما لا شك فيه، فإن حماية الملاحة في البحر الأحمر تتطلب أول ما تتطلب تخفيض فرص تحويلها إلى ساحة للصراع كما هو مخطط له، وتقليل فرص توطن إسرائيل في أرض الصومال بدعوى محاربة الحوثيين، الذين يعملون بدورهم كنقطة أمامية للحرس الثوري الإيراني ما يدفع تجاه المزيد من عسكرة المضيق والمنطقة المحيطة به.
ثالثًا: ينم التوجه السعودي إلى العمق الإسلامي ممثلًا في تركيا وباكستان (وربما مصر فيما بعد) على الاستعداد لقطع الطريق على مسار الاتفاقات الإبراهيمية، الذي تلقى بالفعل ضربة قاتلة مع 7 أكتوبر وما تلاها من إبادة جماعية في قطاع غزة. لكن لا يزال البعض في المنطقة يصر على محاولة إحيائه، ومعه بعض الترتيبات الوهمية من عينة المحور الهندي-الإماراتي-الإسرائيلي، الذي من المستحيل أن تكتب له أي حياة بدون تجاوب سعودي وتركي (عبر سوريا).
بالنسبة لمصر، فإن وأد مثل هذه الخطط في مهدها أمر أساسي خاصة وأنها موجهة ضد مركزية قناة السويس في التجارة العالمية، كما أن من شأنها أن تزيد من العمق الإقليمي لإسرائيل، وهي خصم ومصدر خطر دائم على الأمن المصري، مع تجدد أحلام التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة، التي لن تتحقق إلا على حساب الأمن القومي المصري في سيناء وغيرها.
إن العالم يتغير، ومنطقتنا غير السعيدة هي أحد المواضع التي يتغير العالم بأسره من خلالها كما وقع مرارًا بدءًا من معركة العلمين أثناء الحرب العالمية الثانية مرورًا بأزمة السويس في 1956 فالثورة الإيرانية في 1979 وحرب الخليج الثانية في 1991، وصولًا إلى المواجهة الحالية التي قد تنذر بأفول نجم الإمبراطورية الأمريكية، فعنوان المرحلة هو تآكل الضمانات الأمنية الأمريكية في أوروبا والخليج العربي والبحر الأحمر. وبما أن الاقتصاد لا يوجد في فراغ بل تتحدد مساحاته في ضوء ترتيبات جيوسياسية أمنية وعسكرية فقد حان الوقت لأن تحل بلدان المنطقة بعض مشكلاتها بنفسها.
نحن في مصر لم نكن قط بمعزل عن الصراع بالشرق الأوسط، والتغييرات الأخيرة تعكس توجهات من شأنها أن تساهم في حماية مصالحنا، وعلى هذا الأساس علينا أن نتجاوب معها. لا يعني الترتيب الجاري الإنابة عن الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران بقدر ما يعني رسم خطوط جديدة لما يمكن فعله وما لا يمكن فعله، خاصة وأن من مصلحة تركيا وباكستان ومصر في المدى البعيد استمرار إيران في أداء دورها لكن تحت سقوف جديدة تراعي مصالحهم الاقتصادية المباشرة.