تصوير أحمد هشام، المنصة
خلال حوار المنصة مع المنسق العام للحركة المدنية الديموقراطية، أكرم إسماعيل، 19 يونيو 2026

حوار| منسق "الحركة المدنية": المعارضة تُبنى في المعارك والكلفة الأمنية "حاجة بتاعة ربنا"

أكرم إسماعيل: "هندسة" العملية السياسية لا يُرد عليها بالانسحاب

منشور الثلاثاء 22 أيلول/سبتمبر 2026

لم تنتظر الحركة المدنية الديمقراطية أي حديث رسمي عن تعديل الدستور لتعلن رفضها للخطوة المحتملة؛ إذ جاء في صدارة رسائل أول بياناتها السياسية بعد إعادة هيكلتها في 11 سبتمبر/أيلول الجاري، عبارة "لا لتعديل الدستور"، في اشتباكٍ مع تلميحات ودعوات شخصيات محسوبة على النظام أو مؤيدة له، إلى تعديل دستوري يسمح للرئيس عبد الفتاح السيسي بالاستمرار في منصبه لما بعد عام 2030، حيث تنتهي ولايته الثالثة والاستثنائية والأخيرة وفق النص الحالي في الدستور.

لا يبدو استباق الحركة أي إعلان رسمي عن تعديل الدستور منفصلًا عن اللحظة التي تمر بها هي نفسها. فبعد أشهر قليلة من أزمة داخلية كادت تهدد استمرار التحالف المعارض الوحيد في مصر، أعادت الحركة تشكيل هياكلها القيادية وآليات اتخاذ القرار، في وقت لا يزال فيه المجال السياسي العام في مصر مقيدًا بشدّة ومساحات العمل العام في تآكل مستمر.

وسط هذا المشهد، يرى المنسق العام الجديد للحركة المدنية أكرم إسماعيل أن الحركة تلعب دورًا يتجاوز إعلان موقف مبكر من التعديل المحتمل، لتصبح، إذا انتقلت الدعوات إلى مسار رسمي، "بؤرة لتجميع كل القوى اللي هتبقى ضد تعديل الدستور"، إلى جانب كونها صوتًا لجمهورٍ يرى في تمديد الوضع القائم استمرارًا للسياسات نفسها التي أنتجت الوضع الاقتصادي والسياسي الحالي. أما قرار المشاركة في استفتاء محتمل أو مقاطعته، فيراه إسماعيل سابقًا لأوانه، ويتوقف على شكل العملية حين تبدأ بالفعل.

مظلة أوسع من عضوية الحركة

وبينما تستعد الحركة لمعركة تعديل الدستور المحتملة، فإنها تجاهد للتعافي من نوبة هزال شديدة عصفت بها بعدما انسحب جزء كبير من أعضائها وأحزابها.

تأسست الحركة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2017، في محاولة لجمع طيف من أحزاب وشخصيات المعارضة المدنية حول حد أدنى من المفاهيم والتوجهات المشتركة يقوم على بناء دولة مدنية ديمقراطية وفتح المجال العام وحرية التنظيم والتظاهر والإفراج عن سجناء الرأي، في ظل ما وصفه بيانها التأسيسي آنذاك بتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

شارك في التأسيس 149 شخصية عامة، إلى جانب أحزاب: التحالف الشعبي الاشتراكي والدستور والكرامة ومصر الحرية والعيش والحرية "تحت التأسيس" والإصلاح والتنمية والعدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي. وانضمت لاحقًا قوى أخرى، أبرزها في 2022 أحزاب المحافظين والوفاق القومي والشيوعي المصري، ليتسع التحالف في بعض مراحله إلى نحو 12 حزبًا إلى جانب شخصيات عامة.

وفي بيان إعادة الهيكلة، أقرت الحركة خروج الأحزاب التي سبق أن جمدت عضويتها، كما استبعدت من تكوينها "الأحزاب التي قررت المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ضمن قوائم الموالاة"، في امتداد لموقفها الرافض لمشاركة قوى المعارضة في التحالفات الانتخابية التي تقودها أحزاب الموالاة.

فجرت تلميحات استبعاد الأحزاب التي تحالفت مع الموالاة ملاسنة جديدة مع الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أحد مؤسسي الحركة، الذي رد على بيان 11 سبتمبر (إعادة الهيكلة) بأنه لم يطلب العودة إلى الحركة أصلًا، واعترض على إدارة التحالفات بمنطق "الأغلبية والأقلية". وكان الحزب، إلى جانب حزب العدل، جمّد نشاطه داخل الحركة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إثر خلافات داخلية اندلعت بسبب الموقف من الانتخابات الرئاسية، قبل أن تتسع المسافة بينهما وبين الحركة خلال الاستحقاقات الانتخابية التالية.

ويغيب كذلك حزب المحافظين، الذي أعلن تجميد عضويته بعد سلسلة من الخلافات كان أحدثها ما أثير من اتهامات خلال انتخابات مجلس النواب بشأن استخدام رئيسه أكمل قرطام المال السياسي لتسهيل حصول نجله إسلام على مقعد في مجلس النواب.

كما يواجه حزب الدستور، الحزب الليبرالي الوحيد المتبقي في الحركة، أزمة داخلية دفعت الحركة إلى تعليق تمثيله الحزبي في لجنتها التنفيذية الجديدة لحين حسم الخلاف، وإن ظل أعضاء من الحزب موجودين في هياكل الحركة.

ورغم هذا الانكماش، لا يرى إسماعيل تناقضًا بين تشديد شروط العضوية والسعي لبناء مظلة سياسية أوسع في مواجهة تعديل الدستور. فـ"الفرز" الذي تريده الحركة داخل تكوينها لا يمنع، بحسب تصوره، التعاون مع قوى انسحبت منها في معارك مشتركة حالية أو مستقبلية.

وقال لـ المنصة، في معرض حديثه عن الخلاف مع المصري الديمقراطي، إنه "ما زال فيه ما يجمعنا، ما زال فيه ما يمكن أن نخوضه معًا"، مميزًا بين هوية الحركة نفسها والتحالفات التي يمكن أن تتشكل خارجها.

هيكل جديد لمعركة مرتقبة

كانت واحدة من المشكلات المزمنة داخل الحركة اعتمادها على التوافق بين مكوناتها في اتخاذ القرارات؛ ما منح عمليًا أي طرف منفرد القدرة على تعطيل موقف جماعي لا يقبله. أما بعد إعادة الهيكلة، فتخلت الحركة عن قاعدة الإجماع لصالح التصويت بالأغلبية، وألغت حق أي حزب في الاعتراض المنفرد على القرارات التي تصوت لها الأغلبية.

ويقول إسماعيل لـ المنصة إن هذا  التغيير يستهدف مباشرةً معالجة ما وُصف سابقًا بشلل الحركة، مؤكدًا أن وجود طرف واحد بتقدير مختلف "كان ممكن يعطل الحركة"، بينما تسمح القواعد الجديدة بأن تمرر القرارات بأغلبية 75%، وهو ما يمنح "التيار الرئيسي أو الصوت الرئيسي جوه الحركة قدرة على إنتاج المواقف والتوجهات". 

وطالت التغييرات كذلك آلية إصدار البيانات، وهي المسألة التي كانت في قلب أزمة "بيان قصر أكمل قرطام" في مايو/أيار الماضي، التي فسرها القيادي بالحركة حمدين صباحي وقتها بأنها نتيجة "ترهل في آلية اتخاذ القرار"، فيما وصلت الأزمة إلى حد طرح استمرار الحركة نفسها وإعادة هيكلتها للنقاش.

وعليه جاءت التعديلات الجديدة لتمنع الانتقال سريعًا من النقاش إلى النشر، وتمنح المكونات وقتًا لمراجعة البيان والحصول على موافقة أغلبية كبيرة من الأمانة العامة قبل إصداره. والهدف، وفق إسماعيل، أن تستطيع الحركة التحرك بسرعة أكبر دون أن تظل رهينة موافقة مئة في المئة من أعضائها.

لماذا لا تصبح جبهة يسارية؟

المعضلة التي تواجهها الحركة التى تطرح نفسها كمظلة جامعة لقوى المعارضة المدنية بمختلف أطيافها هي  تقلص التنوع الأيديولوجي داخل أروقتها في ظل خروج أو تجميد الأحزاب التى تمنحها هذا التنوع، وهي مشكلة لا تُحل بالتعديلات الجديدة وحدها. فبخروج أو تجميد عدد من الأحزاب ذات التوجه الليبرالي عضويتها، يمكن أن يبدو تحويل الحركة إلى تحالف أكثر تجانسًا من اليسار ويسار الوسط حلًا لمشكلة صعوبة الاتفاق على قضايا اقتصادية واجتماعية خلافية. وهي المشكلة التي لازمت الحركة طويلًا.

غير أن إسماعيل يرفض هذا التصور، لأن الوظيفة التي يتصورها للحركة مرتبطة تحديدًا باتساعها الأيديولوجي. "الحركة هي حركة مدنية ديمقراطية واسعة"، يقول لـ المنصة، معتبرًا أن مهمتها الأساسية ليست إنتاج موقف موحد من كل قضية اقتصادية واجتماعية، وإنما جمع التيارات المختلفة على "الحد الأدنى المشترك في القضايا الديمقراطية وقضايا الحريات العامة". 

أما الجناح اليساري، وفق هذا التصور، فيمكنه أن يخوض معاركه من خلال أحزابه أو عبر أطر مثل جبهة العدالة الاجتماعية.

ومَيَّز إسماعيل بين ملفات مثل بيع أصول الدولة وتوجيه الدعم، التي يمكن أن تفشل الحركة في بناء موقف موحد بشأنها، وملفات الانتخابات النقابية والحريات وحق التنظيم، التي يفترض أن يكون الاتفاق عليها أسهل. وقال "فيه مستويات من العمل الجبهوي، وكل ملف بنشوف الجبهة الأنسب لخوض هذه المعركة".

وتصبح التعديلات الدستورية، وفق هذا المنطق، تقريبًا النموذج المثالي للوظيفة التي يريدها إسماعيل للحركة: قضية ديمقراطية يمكن أن تجمع أطرافًا لا يجمعها برنامج اقتصادي واحد.

لكن نجاح هذا التصور يظل مشروطًا بقدرة الحركة على إعادة مد الجسور مع قوى خرجت منها أو باتت خارجها، خاصة إذا كانت تريد تحويل رفضها للتعديل من موقف يصدر في بيان إلى حملة ذات امتداد سياسي أوسع.

المعارضة تُبنى في المعارك

ولا يفصل إسماعيل هذه المهمة عن مشاركة المعارضة في الانتخابات، حتى في ظل اختلال شروط المنافسة. فعلى الرغم من رفض الحركة مشاركة أحزاب محسوبة على المعارضة في قوائم تضم قوىً موالية للسلطة، لا يرى إسماعيل أن الرد على "هندسة" العملية السياسية يكون بالانسحاب الكامل منها.

بالنسبة إليه، تكمن قيمة الانتخابات كذلك في إنتاج وجوه معارضة يعرفها الجمهور "أنا عايز يبقى عندي عشرات المرشحين الناس تنزل تشوفهم، تشوفهم تدي لهم صوتها"، يقول إسماعيل، مستشهدًا بتجارب نقابية لمرشحين معارضين أو مستقلين استطاعوا بناء حضورهم من خلال خوض المعركة نفسها، سواءٌ انتهت بالفوز أو الخسارة؛ مثل فوز خالد البلشي بمقعد نقيب الصحفيين، ومحمد عبد الغني بمقعد نقيب المهندسين، والمعركة التي قادها محمد زهران في نقابة المعلمين.

بهذا التصور، تصبح الانتخابات والنقابات والمساحات المحدودة المتبقية للعمل العام وسائل لجذب جمهور وبناء قيادات يمكن أن تعتمد عليها المعارضة عندما تواجه معركة سياسية أوسع. لكن المشكلة أن هذه المساحات نفسها أصبحت أكثر ضيقًا، فخروج حزب المحافظين حرم الحركة من مقرات واسعة استخدمتها خلال السنوات الماضية لعقد اجتماعات ولقاءات شبه جماهيرية، في بلد يصعب فيه تنظيم نشاط سياسي مفتوح في الشارع.

وأقر إسماعيل بأن الحركة فقدت بانسحاب المحافظين مساحة مهمة، لكنه أكد أنها ستعود إلى مقرات أحزابها وتحاول انتزاع مساحات أخرى في النقابات. "هنرجع تاني لمقراتنا الضيقة نحاول ننشط فيها، نحاول نحجز مكان في حتة"، قال، مضيفًا أن الحركة ستسعى إلى استخدام أماكن مثل نقابة الصحفيين أو غيرها إن استطاعت "فقدنا مساحة صحيح، بس الحركة مستعدة لمعركة المساحات القادمة".

حوار المنصة مع المنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية أكرم إسماعيل، 20 سبتمبر 2026

ظلال 2019 الثقيلة

ولا تقتصر القيود التي تنتظر الحركة على العثور على مكان لعقد ندوة. ففي 2019، حين خاضت المعارضة معركة رفض التعديلات الدستورية السابقة، جرى الاستفتاء وسط تضييق واسع على منتقدي التعديلات. واعتُقل في الأشهر الأولى من ذلك العام عشرات الأشخاص بسبب التعبير السلمي عن آرائهم، بينهم أشخاص استُهدفوا تحديدًا لمعارضتهم التعديلات على السوشيال ميديا. 

كما لجأت الحركة المدنية نفسها إلى القضاء للحصول على تصريح لتنظيم احتجاج أمام البرلمان في مارس/آذار 2019، لكن المحكمة رفضت طلبها بعد أن بررت وزارة الداخلية رفضها بـ"احتمال تهديد الأمن والسلم العام".

واستهدفت السلطات الداعين إلى رفض التعديلات أو مقاطعتها، فيما حُجب موقع حملة "باطل" المعارضة بعد ساعات من إطلاقه، إلى جانب نسخ بديلة أنشأها القائمون عليه للتحايل على الحجب.

انتهت تلك العملية بإقرار تعديلات مددت الفترة الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، تشمل فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي القائمة آنذاك، وكانت الثانية والأخيرة، وسمحت له بالترشح لفترة ثالثة على سبيل الاستثناء، إلى جانب تغييرات أخرى وسَّعت صلاحيات الرئيس في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، ومنحت القوات المسلحة مهام إضافيةً تتعلق بحماية الدستور والقواعد الأساسية للدولة ومقوماتها ومدنيتها.

واليوم، وقدّ مرّت سبع سنوات على الصدام الكبير، لا يقدم إسماعيل وصفة تضمن تفادي الكلفة الأمنية المتوقعة إذا دخلت الحركة مواجهة مشابهة "دي بقى بتاعة ربنا"، هكذا رد على سؤال عن احتمال تكرار الاعتقالات والتضييق بحق أعضائها، قبل أن يوضح أن الحركة ستقيّم كل خطوة عملية على حدة، واضعة في حساباتها المكسب السياسي، والقدرة على الفعل، وكذلك "التمن الأمني".

ويرى أن الحفاظ على أمن المشاركين واستمرار الحركة جزء من الحسابات السياسية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن يتحول الخوف من الضربات الأمنية "في بلد زي مصر بتحكمها سلطوية يعني مهيمنة"، إلى سبب للتخلي عن العمل نفسه. "الاستغراق الشديد في ده معناه إن إحنا نتخلى عمَّا نؤمن به وما نعبر عنه".

حتى الآن لا توجد تعديلات دستورية مطروحة رسميًا، وفي حال طُرحت فإن الحركة لم تستقر بعد على الآلية التي ستختارها لمواجهتها، أو ما إذا كانت ستدعو في نهاية المطاف إلى المشاركة في استفتاء محتمل أو مقاطعته.

لكن إعلان موقفها المبكر وضع الهيكل الجديد أمام اختبار قبل أن يكتمل بناؤه تمامًا. فالحركة التي خرجت منذ أسابيع قليلة من أزمة كادت تعلن موتها، تريد أن تجمع حولها طيفًا من المعارضة أوسع من حدود عضويتها، وأن تفعل ذلك في مجال سياسي يوصف بأنه لا يزال شديد التقييد.

وبين تغيير قواعد اتخاذ القرار، والبحث عن حلفاء خارج الحركة، ومحاولة استعادة مساحات للعمل العام، يبقى السؤال الذي ستجيب عنه أي معركة دستورية مقبلة هو ما إذا كانت إعادة الهيكلة قد صنعت فقط حركةً أسرع في إصدار المواقف، أم تحالفًا قادرًا على تحويل "لا لتعديل الدستور" إلى فعل سياسي يتجاوز فعل صياغة وإصدار البيانات.