إبراهيم أبو العيش.. رحلة حلم في صحراء الشرقية

الدولة نفسها لا تتوسع في مشروعات الطاقة البديلة، في الوقت الذي تتجه فيه لتوليد الكهرباء من المحروقات والطاقة النووية، وهي موارد معادية للبيئة.

فى عام 2006 كنت أقرأ بنهم وانبهار كل ما ينشر عن مشروع تكاملي يشرف عليه عالم مصري يتبنى اتجاهًا حديثًا نسبيًا يدعى التنمية المستدامة.

وقتها احتفت بعض المجلات النوعية بالمشروع الجديد الذي حمل اسم "سيكم"، وكان لكون مؤسسه "إبراهيم أبو العيش" العالم المختص بالكيمياء وعلوم الأدوية، خلفية علمية وسمعة دولية مرموقة، دافعًا للاحتفاء بهذا المشروع ومحاولة استكشاف هذا المفهوم الجديد نسبيًا "التنمية المستدامة".

كنت وقتها أدرس الهندسة المعمارية وأكتب عما أهتم به في مدونتي، وقت ازدهار المدونات في مصر والعالم العربي. كتبت وقتها عن المشروع ومؤسسه العالم ورجل الأعمال إبراهيم أبو العيش، كانت هذه المرة الأولى التي نسمع فيها بمصر عن مشروعٍ يستهدف الربح، وفي الوقت نفسه يعمل على إدماج وتطوير المجتمع المحلي في بيئة المشروع، واستخدام سبل حديثة للحفاظ على الموارد البيئية وتنميتها.

تتبعت المشروع الذي كان يمثل نموذجًا لحلمي الشخصي ببناء مشروع متكامل لمجتمع تنموي يحافظ على البيئة، حتى أني بعد التخرج واصلت الدراسات العليا في تعلُّم التصميم والتخطيط البيئي، كسبيل لا غنى عنه لتطوير مشروعات التنمية المستدامة.

مزارعون بمشروع سيكم  - الموقع الرسمي للمبادرة 

في مؤتمرها بريو دي جانيرو في 1992، اعتمدت الأمم المتحدة مصطلح التنمية المستدامة Sustainable Development، مع تصاعد الاعتراف الدولي بخطورة نضوب الموارد وجور عمليات التحديث المستمرة على البيئة.

كانت هذه المرة الأولى التي نسمع فيها بمصر عن مشروعٍ يستهدف الربح، وفي الوقت نفسه يعمل على إدماج وتطوير المجتمع المحلي واستخدام سبل حديثة للحفاظ على الموارد البيئية وتنميتها.

وقتها عقدت الأمم المتحدة مؤتمرها هذا لوضع أُسس متفق عليها للتنمية التي تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية، وعرَّفَتها بأنها التنمية التي تُلبي احتياجات البشر في الوقت الحالي، دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تحقيق أهدافها. وتركز على النمو الاقتصادي المتكامل المستدام، والإشراف البيئي والمسؤولية الاجتماعية. هي في جوهرها عملية تطوير للأرض "الموارد" والمدن والمجتمعات، وكذلك الأعمال التجارية بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر دون أن تنتقص من حق الأجيال القادمة في الموارد المتنوعة، بما فيها مورد البيئة.

هذا التعريف هو الشائع والأكثر دقة،كونه يشمل في نصه الهدف المباشر للاستدامة، وأهدافها التي تتصل بتلاقي البيئة والاقتصاد والمجتمع في توازُن يحقق الربح، ويسهم في تطوير المجتمع، ويُبقي على البيئة في وضع غير استنزافي لسنوات طويلة قادمة.

الفكرة التي أطلقها إبراهيم أبو العيش في منطقة بلبيس بمحافظة الشرقية شمال القاهرة، لم تكن الأولى من نوعها في استلهام مفهوم التنمية المستدامة، فقد سبقه مهندسون وعلماء في مجالات البيئة والعمارة والزراعة إلى البحث في طرق التنمية المستدامة وبناء مشروعات تعتمد على هذا المفهوم، لكن مشروع أبو العيش يبقى من أوائل المشروعات على الخريطة الدولية التي استلهمت هذا المنهج وسعت لتطبيقه منذ اللحظة الأولى.

في 1977، بدأ إبراهيم أبو العيش وزوجته النمسوية جودرون مشروعهما بمزرعة صغيرة للنباتات العشبية في صحراء بلبيس. استمر المشروع الشخصي في النجاح حتى وصل لتصدير شحنته الأولى من الأعشاب الطبية إلى الولايات المتحدة في 1981. وبعد عام واحد من مؤتمر ريو دي جانيرو، بدأت مفاهيم التنمية المستدامة تفرض نفسها على المشروع لتتأسس جمعية التنمية الثقافية المصرية في ألمانيا ممثلة عن سيكم، وهي جمعية غير هادفة للربح، كانت هي العماد الذي انبنى عليه مجتمع التنمية المستدامة في سيكم خلال السنوات التالية.

مع التطور المتأني للمبادرة المجتمعية لإبراهيم ابو العيش، كانت هناك مشاريعًا أخرى للتنمية المستدامة تتأسس حول العالم.

مدينة فينوس

مدينة فينوس تلت في تأسيسها مشروع سيكم المصري. وهي فكرة للمهندس والفيلسوف جاك فريسكو الذي كان يهتم في تصميماته بتوفير الطاقة وبناء تصاميم مفيدة للمجتمع.

أخذته رحلته الهندسية من تصميم الطائرات إلى المباني، ثم تصميم نماذج للأفلام الوثائقية المهتمة بالعلوم. وظلت فكرته وهدفه الأول طوال حياته هو البحث عن وسيلة بناء مجتمعات خالية من الفقر والحروب والتلوث، إذ كان يرى أن تنمية الإنسان والمجتمع عملية متبادلة من خلال فكر التنمية المستدامة، ما دفعه لإنشاء مؤسسة تحت اسم "هندسة المجتمع" ومن خلالها بدأ عام 1994 في تأسيس مشروع فينوس، وهي مدينة قائمة على فكرة التنمية المستدامة تقع على مساحة 25 فدانًا بولاية فلوريدا الأمريكية.


تنمية عربية مستدامة

مع استمرار مشروع سيكم المصري في التوسع المجتمعي والاقتصادي بتأسيس المزيد من الشركات والمصانع التابعة، في الوقت الذي نشأت فيه مدرسة سيكم لتعليم أبناء العاملين في المشروع وأبناء المجتمعات المحلية المحيطة، وتأسيس جمعية غير هادفة للربح للتدريب على أسس الزراعة العضوية ومناهجها للمزارعين والمهندسين الزراعيين المصريين سعيا لنشر هذا الفكر؛ في الوقت عينه تأسس مشروع عربي آخر قائم على مبدأ التنمية المستدامة وهو شركة أبو ظبى لطاقة المستقبل "مصدر".

الشركة الإماراتية تخصصت في مجال الطاقة المتجددة والحفاظ على البيئة. وتقع المدينة بالقرب من مطار أبو ظبي وتبعد 40 كيلو مترًا عن مركز العاصمة.

وبينما قام المشروع المصري بالأساس على خبرات مؤسسه إبراهيم أبو العيش؛ قام بتصميم مدينة مصدر الإماراتية واحد من أكبر المكاتب المعمارية بالعالم وهو LAVA، بينما يعمل مكتب المعماري الشهير نورمان فوستر على تطوير المشروع. وروعي في تصميمها -بحسب معلومات الإنشاء- كافة الجوانب البيئة، "حيث تعمل المدينة على مواجهة تغير المناخ وكثرة التلوث الذى أصاب الطبيعة من خلال تبني الطاقات المتجددة، فجميع وسائل المواصلات بالمدينة تعمل في طابق أسفل الأرض دون وقود ناضب (بترول أو غاز) باستخدام مصادر الطاقة المتجددة حصرًا". كذلك صُممت المباني على أن تكون موفرة للكهرباء والمياه فيما يعرف بzero energy building. كذلك مواد البناء اختيرت من مواد صديقة للبيئة.


وبينما يسعى المشروع الإماراتي إلى تقديم نموذج لمجتمعات المستقبل في تشابه كبير مع المجتمع النموذجي الذي وضعه جاك فريسكو في مدينته "فينوس"؛ يقوم المشروع المصري على نموذج يراعي الأبعاد الاجتماعية القائمة في مصر بالفعل.

أطلق أبو العيش في صحراء بلبيس مجتمعًا متكاملاً، يحقق تعليمًا عمليًا وحياة منتجة لكل أفراده، حيث الاهتمام بالإنسان وبالتعليم والإنتاج.

داخل المزرعة الممتدة التي يقوم عليها المشروع، يوجد مجتمع متكامل انبنى في صحراء بلبيس في الشرقية. بدأ إبراهيم أبو العيش مشروعه تحت اسم "سيكم"، وهو مستمد من لفظة باللغة المصرية القديمة هي سِخِمْ، التي تعني الطاقة الحيوية -تترجم خطأً أنها الطاقة القادمة من الشمس.

أطلق أبو العيش مزرعته في صحراء بلبيس بمساحة 170 فدانًا، متضمنة مجتمعًا متكاملاً يحقق تعليمًا عمليًا وحياة منتجة لكل أفراده، حيث الاهتمام بالإنسان وبالتعليم والإنتاج.

بدأ المشروع بالزراعة، باعتبارها حجر الزاوية في الفكرة كلها، وعماد التنمية البشرية. اهتم أبو العيش بالزراعة الحيوية دون استخدام كيماويات ومبيدات، وهذا كان تحديه وسط الزراعات التى أصبحت تعتمد على المواد الكيميائية بشكل أساسي في مصر. ثم سعي لتحقيق التكامل في المشروع عبر الصناعة والتعليم، فأصبح بسيكم ورش وصناعات، وأصبح بها مدارس لكل المراحل العمرية، وجعل التعليم في كل مراحله داخل مدرسة المجتمع الصغير هو تعليم عملي مستمر، حيث تجد الحياة كاملة داخل المدرسة، ويتم تطبيق مفاهيم التعليم التنفيذي (العملي) وصولا لمرحلة تمام القدرة على الإنتاج.


داخل مزرعة سيكم يتعلم الطفل منذ نشأته كيفية زراعة القمح، ويتعلم الموسيقى والفنون فيوجد داخل المزرعة المسرح والمدرسة والمستشفى. أصبح الطفل يتعلم ويعمل وينتج ويبدع، وتتاح له كافة الإمكانات المطلوبة لذلك. كذلك المعلم لا يتوقف دوره عند تدريس علمه، فهو نفسه يتعلم أيضًا ويتبنى قيمًا وأسلوب حياة هو - حتى الآن- غير شائع في المجتمع المصري الأكبر، فمثلاً؛ كل فرد في المزرعة يقوم بأعمال النظافة بنفسه.

صنع أبو العيش من مزرعته جنة خضراء، وأتاح الكثير من فرص العمل لسكان محافظة الشرقية ولكل من يريد العمل سواء كانت لديه خبرة بالفعل، أو يرغب في في التعلُّم والعمل.

عرض فني لأطفال المشروع بحضور أبائهم من العاملين في المزرعة والقرى المحيطة 

استمرار النجاح

فى عام 2008 نشر أبو العيش مع دار الشروق كتابًا يروي فيه سيرته وسيرة سيكم بعنوان "سيكم وكيف ساهمت في تغيير وجه مصر"، ليكون مرجعًا وتأريخًا لتجربته.

فى عام 2012 أنشأ جامعة هليوبولس للتنمية المستدامة، حتى تكون جامعة غير ربحية. افتتح بها العديد من الكليات، منها الهندسة والصيدلة وإدارة الأعمال والاقتصاد، على أن تكون جميعها لها صلة بالطبيعة والطاقات المتجددة وتطبق مفهوم التنمية المستدامة. وفي هذا العام شهد أبو العيش قبل رحيله تخرج أول دفعة من الجامعة.

فى عام 2015 فازت سيكم بجائزة الأرض من أجل الحياة من منظمة الأمم المتحدة لمكافحتهم التصحُّر، حيث أصبح لسيكم أكثر من أرض زراعية فى مناطق مختلفة من أنحاء مصر منها سيناء والمنيا وغيرهما، ووصل حد استصلاح الأراضى الصحراوية إلى 1680 فدان بطرق الزراعة الحيوية.

رحيل وتحديات

فى 15 يونيو/ حزيران الماضي علمت بخبر رحيل إبراهيم أبو العيش عن عالمنا، وسألت نفسي لماذا لم أسع إلى مقابلته منذ انبهرت بمشروعه في 2006 وحتى رحيله هذا العام، لكني لم أجد إجابة تقيني شر الندم.

الراحل إبراهيم أبو العيش 

دُفِن أبو العيش في محافظته التي ولد بها في 23 مارس/ أذار 1937 لأسرة ثرية، قبل أن يتركها ليتعلم الكيمياء ثم الطب ويتخصص في علوم الأدوية في جامعات النمسا. وعاد إليها ليؤسس مشروعه في 1977.

بعد وفاته، نشرت بعض الصحف المصرية خبر وفاته دون نعي واضح، رغم كونه عالم مصري صاحب إنجازات وجوائز عديدة، على رأسها جائزة نوبل البديلة التي كان أول مصري يفوز بها بعد المعماري الراحل حسن فتحي. وقد نعته اللجنة المانحة لجائزة نوبل البديلة كما نعته العديد من المواقع الدولية المهتمة بقضية التنمية المستدامة.

ترك أبو العيش في مشروعه القائم في صحراء بلبيس ميراثًا فكريًا قبل أن يكون مشروعًا اقتصاديًا ناجحًا. يمكن أن يُنظر إليه لإيجاد حلول للمشكلات العديدة التي تواجه التنمية المستدامة في مصر.

فتحقيق مشروعات التنمية المستدامة يتطلب شروطًا أساسية على رأسها الاستقرار السياسي، ووجود الأمن -أمن المواطن طبعًا- وكذلك جودة البنية التحتية وتدني معدلات الفقر وتوفر الكفاءات والدعم الواسع الفعال للبحث العلمي. كل هذه المقومات ليست موجودة في مصر، على العكس من ذلك تدعم سياسات الدولة المعلنة الاعتماد على الطاقات والموارد المعادية للبيئة، فكلنا يذكر الحملة الواسعة ضد استخدام الفحم والتقارير التي أصدرتها وزارة الدولة للبيئة نفسها لرفض استيراد الفحم واستخدامه. لكن الدولة كان لها رأي آخر.

الدولة نفسها لا تتوسع في مشروعات الطاقة البديلة، ولا تعمل بجدية على التوسع في إقامة حقول الطاقة الشمسية، في الوقت الذي تتجه فيه لتوليد الكهرباء من المحروقات والطاقة النووية، وهي موارد معادية للبيئة. أما البحث العلمي فلم يعد الحديث عنه مطروحًا من الأساس مع تخفيض ميزانيات مراكز البحوث، تمهيدًا ربما لإغلاقها.

ورغم أن الدولة نفسها أقدمت على تاسيس مشروع يتبنى مفهوم التنمية المستدامة وهو مركز الفسطاط للحرف التقليدية التابع لصندوق التنمية الثقافية، إلا أنها تبقى تجربة وحيدة، لم تتكرر، ولا يبدو أن هناك اتجاه لتبني التوسع في تطبيق هذا المفهوم على المدى القريب.

رحم الله إبراهيم أبو العيش