اغتيال ناعم.. السخرية الجندرية الموجهة ضد النائبات
أن تكوني امرأةً في مصر فأنتِ مُطالبةٌ على الدوام ببذل جهدٍ إضافيٍّ من أجل إثبات الجدارة وإقناع المجتمع بكفاءتك لأداء الأدوار التي يؤديها أقرانك من الرجال ويتصالح معها دون حساسية مفرطة، كما يفعل تجاه المرأة، أي امرأة. هذه القاعدة التي تنسحب على شتى مجالات الحياة، يسهل رصدها في مجال السياسة بما يفضح بوضوح التمييز المتعمد ضد النساء، الذي تتصالح معه الجماهير من الجنسين.
تظهَر هذه الحساسية بوضوحٍ في التفاعل مع التناول الإعلامي وردود الفعل على السوشيال ميديا تجاه أخبار مرشحات برلمان 2026 سابقًا وعضواته حاليًا.
دعم جماهيري غائب
تبلغ نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب 26.8% وهي تماثل النسبة العالمية، بإجمالي 160 مقعدًا، موزعة بين 142 مقعدًا عبر القوائم، و4 مقاعد بالانتخاب الفردي، و14 مقعدًا بالتعيين الرئاسي. وينظم القانون رقم 46 لسنة 2014 بشأن مجلس النواب آليات وضوابط التعيين، إذ نصت المادة 27 على أحقية رئيس الجمهورية في تعيين عدد من الأعضاء لا يتجاوز 5% من المنتخَبين، على أن يكون نصف المعينين على الأقل من النساء، وهو ما فتح الباب دستوريًا وقانونيًا لضمان تمثيل أكبر للسيدات داخل البرلمان بقرار جمهوري.
هذه الإرادة السياسية التي تقر بحق النساء في الوجود تحت قبة البرلمان، لا تجد صدى في الشارع الذي لا يثق بشكل عام في العملية السياسية، ويستدل على فسادها بوجود النساء بنسبة كبيرة في السلطة التشريعية، فهن غير مؤهلات للقيام بهذا الدور، وعليه فلن يجدن دعمًا بقدر ما سيجدن سخريةً تلعب دورها في تقويض مكتسبات النساء حتى ولو كانت شكلية.
سلاح ذو حدين
تراوحت الانتقادات في حدتها بين السخرية والتنمر، ليضاعف المجتمع التحديات التي تواجهها المرأة في العمل السياسي، إذ جرى توظيف السخرية الجندرية بشكلٍ واضحٍ خلال التحضير للانتخابات ولاحقًا ضد الفائزات بعضوية البرلمان عقب إعلان النتائج.
ركزت التغطيات الإعلامية الرسمية أو الشعبية من خلال السوشيال ميديا على الأداء والجسد والهوية، دون النظر إلى الفعل السياسي. كما حدث مع النائبة ريهام أبو الحسن التي لُقِّبت بالجميلة؛ كل ما عليك فعله لتتأكد من هذا كتابة كلمتي "النائبة الجميلة" على جوجل لتظهر لك أخبارها فورًا، وغالبيتها لا علاقة له بدورها السياسي، ولا أدائها كنائبة عن الشعب.
السخرية سلاح شعبي أساسي لنقد السلطة بشرط تخليصها من أي توجيهات جندرية مسيئة
سطحية التغطية الإعلامية تثبتها مراجعة منهجية لأكثر من 90 دراسة تشمل 750 ألف تقرير إعلامي، حيث يظهر ما تحظى به البرلمانيات من اهتمامٍ أكبر بالمظهر والحياة الشخصية، مع تجاهل تغطية خطاباتهن وبرامجهن السياسية، إذ تميل وسائل الإعلام إلى تصوير وإبراز أجساد النساء مقابل وجوههن على عكس ما يحدث مع السياسيين الرجال، فيما يعرف بـ Face-ism.
أما فيما يخص السخرية فلا يمكن إنكار أنها سلاح شعبي أساسي لنقد السلطة، شرط تخليصها من أي توجيهات جندرية مسيئة، بالتالي فقصرها على النساء يحولها إلى ما يسمى السخرية الجندرية/Gendered ridicule/gendered humour وهي أحد أشكال الفكاهة التي تستهدف الهويات أو الأدوار الجندرية، وغالبًا ما تعكس وتعزّز القوالب النمطية والمعايير الجندرية السائدة في المجتمع.
تعمل السخرية هنا على إثارة الضحك، وفي الوقت ذاته ضبط السلوكيات والممارسات وفق المعايير التي يضعها المجتمع وتثبيت النظام الجندري القائم.
فاعلات أم مُهرِّجات
في حالة النائبات، يمكن النظر إلى السخرية الجندرية بوصفها أداةً عقابيةً من أجل ضبط أداء النساء في المجال العام. يتضح ذلك في التعاطي مع أدائهن خلال فترة الانتخابات، إذ نالت العديدات منهن قسطًا وافرًا من السخرية، لا يمكن نفي التمييز الجندري عنها.
تضم القائمة مرشحة دائرة حلوان شيماء عبد العال، ونائبة دائرة نجع حمادي رحاب الغول التي تعرضت للهجوم بعد جولة انتخابية لها ردد خلالها أنصارها هتافًا باستحقاقها مقعد البرلمان الذي شغله والدها من قبل. وعلى الرغم من أن التوريث البرلماني ليس حالة فردية، فإن أكثر الهجوم كان من نصيب رحاب التي وضعت في مرمى سهام السخرية الجندرية.
قد يبدو هذا النوع من الفكاهة، للوهلة الأولى، عاديًا أو حتى مبتذلًا، كما تظهره الأمثلة السابقة، لكنه في الواقع يعكس الأسس التي يقوم عليها النظام الجندري، ويسهم في حمايتها وترسيخها داخل المجتمع والثقافة التي تُتداول فيها هذه الفكاهة.
الاستهزاء يحمل رسالة ردع مبطّنة للنساء المقبلات على العمل السياسي أو الظهور في المجال العام
تتحول البرلمانيات من فاعلات سياسيات في المشهد إلى مهرجات أو مادة للضحك، أو للغزل الذي لا يرى في المرأة أبعد من جسدها. ليس أدل على ذلك من فيديوهات أداء القسم تحت قبة البرلمان، إذ التقط الجمهور المتعطش للفكاهة، والمؤمن بالتقسيم الجندري للمجالين العام والخاص، فيديو للنائبة إيفا ماهر وحوّلها لمادة للسخرية بعدما طلب منها رئيس المجلس إعادة القسم أكثر من مرة، وعلى الرغم من أنه كرر الطلب ذاته مع أكثر من نائب في الجلسة نفسها فإن ذلك لم ينتشر حد الوصول إلى المنصات الإعلامية كما حدث مع النائبة الشابة.
كما لا يمكن قراءة التعاطي مع حملة مونيكا مجدي التي اشتهرت بمرشحة العجلة بمعزل عن التحيز الجندري ضدها. فما فعلته شابة ثلاثينية كان محاولة للفت الأنظار في انتخابات شعارها الأوحد "المال السياسي"، لكن المتابعة توقفت عند جولاتها وهي تجر دراجتها ومن بعدُ عند تصريحها بأن الحزب الذي تنتمي له توجهه دولتي إصلاحي، ولم تحظ بالدعم المماثل لما حصل عليه محمد زهران الذي عُرف إعلاميًا بـ مرشح الغلابة.
مع تشكيل المجلس وانعقاد جلسته الأولى، كانت الصدفة وحدها هي التي جعلت المنصة الرئيسية تضم ثلاث نائبات: الأكبر سنًا والأصغر سنًا، ما جعل المنصة تبدو ثورية، وفيما انبرى البعض لمهاجمة النائبات تطوع آخرون لتصحيح معلومة أنهن لم يكتسبن أماكنهن على المنصة إلا تطبيقًا للائحة الداخلية لمجلس النواب التي تقضي برئاسة أكبر الأعضاء سنًا للجلسة الأولى، بمساعدة النائبتين الأصغر سنًا والذي قد يكون غاب عن واضعيها البعد الجندري، أو لم يخطر لهم ببال.
قَمع ناعم
هذه الملاحقة المستمرة لأداء النائبات بالسخرية، لم تتعاطَ مع أدائهن السياسي بالقدر نفسه من الاهتمام الذي حظيت به ذلّاتهن أو ظهورهن فقط، فخلال الشهر الأول لانعقاد البرلمان تقدمت النائبة إيرين سعيد بسؤال برلماني حول باقات الإنترنت التي تُستهلك في أقل من 10 أيام، وهو السؤال الذي يشغل عددًا كبيرًا من مستخدمي الإنترنت في مصر، خاصة من المزود الرئيسي للخدمة شركة WE التي تستحوذ الحكومة على نحو 70% من أسهمها.
السؤال البرلماني الذي تقدمت به النائبة ترجم استياءً شعبيًا نتجت عنه حملةٌ بدأ صداها يتردد على السوشيال ميديا، والتقطت خيطها إيرين المنتمية لحزب الإصلاح والتنمية، إلا أنه لم يُسمع للساخرين صوت. لم تظهر تعليقات حول مقدمة الطلب، واكتفى الجميع بالتعامل مع القضية المثارة التي هي محل اهتمام ملايين.
لا يتوقف أثر السخرية على أداء البرلمانيات اللواتي يقعن تحت ضغط المواد الإعلامية المنشورة عنهن، فضلًا عن حملة السوشيال ميديا التي لم يتورع العديد من المثقفين عن المشاركة فيها، لكن الأثر يتجاوزهن ليصبح رسالةَ ردع مبطّنة للنساء المقبلات على العمل السياسي أو الظهور في المجال العام، مفادها أن هذا هو المصير المنتظر.
هكذا يُعاد إنتاج الخوف من المجال العام بوصفه فضاءً غير آمن للنساء، وتُبعث رسالة اجتماعية قديمة في ثوب جديد "وقَرنَ في بيوتكن". ولا يقتصر هذا الموقف الرجعي على الرجال وحدهم؛ إذ تتبناه كثيرات من النساء أيضًا، تحت تأثير مزاج عام يخلط بين "احترام المرأة" وتقديسها، وبين إقصائها عن السياسة بوصفها مجالًا ملوثًا لا يليق بها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
