استهلال متواضع لنمط فريد.. مسلسل ابن الشركة والميكرودراما العربية
انتشرت مسلسلات الميكرودراما في الآونة الأخيرة. بدأت من آسيا بملايين المشاهدات وأصبح لها صدى واسع عند الجمهور. قد يفسر ذلك محاكاة تصوير وإيقاع هذه النوعية من المسلسلات للريلز التي يستهلكها مستخدمو فيسبوك وإنستجرام وتيكتوك وحتى يوتيوب. بالإضافة لقصر مدتها، تتميز أيضًا بكونها مادة من حلقات مسلسلة متماسكة، وهو ما يحفز المشاهد على متابعتها، عكس السائد على الإنترنت من فيديوهات متفرقة.
في الفترة الأخيرة؛ كان هناك ما يشبه سباق غير رسمي بين المنصات وشركات الإنتاج لصناعة أول مسلسل مَيكرودراما مصري وعربي.
بدأت مجموعة من الأشخاص هذا الانتاج إلى جانب بعض شركات الإنتاج الصغيرة، إلى أن تبنت منصة WATCH IT التابعة للشركة المتحدة هذا الشكل، وقدمت لنا في مايو/أيَّار الماضي مسلسلًا بعنوان ابن الشركة، ليكون أول مسلسل مَيكرودراما من إنتاج منصة عربية كبرى.
خطوة لا بد منها
يدور المسلسل حول البطل آدم/أحمد الشربيني الذي تنقلب حياته فور تلقيه خبر وفاة والده. يتخفى في شركته كعامل بالمخازن لكشف المؤامرات والفساد، محاولًا إنقاذها من الإفلاس، ومن هذه المفارقة تتولد الكوميديا.
المسلسل بطولة مجموعة من مشاهير السوشيال ميديا، فهذه النوعية من الدراما ليست موجهة لمحبي الدراما، ولكن لجمهور تيكتوك وإنستجرام. لذلك، كان منطقيًّا أن يعتمد العمل على صانعي المحتوى من ذوي المتابعين الكثر لترويج المسلسل.
في ابن الشركة تبدو كل حلقة كقطعة مقصوصة من عمل أكبر يغيب عنها الإيقاع السريع
يبدو أن صناع مسلسل ابن الشركة لم يكونوا على دراية كافية بهذا النوع من الدراما. فالأعمال المشهورة تتميز بالتكثيف الشديد في الحلقة الواحدة، ولكن صناع العمل "قصقصوا" المادة الدرامية الطويلة إلى أجزاء تترواح مدتها بين دقيقة ودقيقتين.
في الحلقة الأولى يستيقظ البطل آدم من نومه، ويرد على الهاتف. تنتهي الحلقة! وفي الحلقة الثانية نعرف أن والده توفي، ويستلم من المحامي وصية. وفي الثالثة نعرف فحوى الوصية، وكون الشركة في حالة حرجة اقتصاديًا.
وإذا قارناه بأعمال أخرى على شاكلته نجده يفتقر إلى بعض الخصائص الأساسية، منها وأهمها: الإيقاع السريع، فالحلقات قصيرة جدًا، ما يفرض على المبدع التركيز في كل لحظة، ويخلق نقطة اشتعال درامية سواء من خلال مفارقة، أو غموض، أو تغيير مفاجئ في الحبكة.
ففي الحلقة الأولى من مسلسل الميكرودراما الشهير Ex-Convict Nanny & Billionaire Single Dad المتداول عربيًا باسم "مربية ابنتي السجينة السابقة هي أم طفلي"، أحد أشهر مسلسلات الميكرودراما وأكثرها مشاهدة، نرى امرأةً حُبلى تمشي داخل السجن، ذاهبة إلى لقاء حبيبها، ومن خلال هذه الزيارة نرى حبيبها رفقة فتاة أخرى، هي ابنة عمها.
تكتشف البطلة أن حبيبها خان ثقتها بعد أن وعدها بالزواج، ونكتشف أيضًا أنه لم يواقعها ولكنه خدَّرها وتركها لرجل آخر يواقعها. كل ذلك في مشهد واحد.
وفي المشاهد التالية، يظهر رجل أعمال ثري يطلب من مساعده البحث عن الفتاة التي كانت معه تلك الليلة. تخيل كيف تم اختزال الخطوط الدرامية، وكم الأسئلة التي ستدور في بالك عن ماضي ومستقبل تلك الشخصيات. بهذه الطريقة يحافظ المسلسل على انتباهك حتى النهاية.
أما في ابن الشركة، فالمعلومات التي نعرفها في كل حلقة ضئيلة وغير محفزة على استكمال المشاهدة. على سبيل المثال: الحلقة الرابعة والخامسة نعرف منهما معلومة واحدة! وفي الثالثة عشرة، المعلومة التي نعرفها هي أن تليفون عم شعبان ذاكرته ممتلئة!
طبيعة الحكاية
يفتقد هذا العمل أيضًا طبيعةَ الحكاية التي تعتمد على المبالغة والأحداث والتغيرات المفاجئة. فيلتزم ابن الشركة يلتزم بالشكل الكلاسيكي للدراما، حيث يتجاوز الحوار مساحة 70% من الحلقات.
لكن هذا التكثيف يطرح أيضًا سؤالًا جماليًا: هل يمكن للدراما أن تحتفظ بعمقها الإنساني حين تُضغط إلى هذا الحد؟ يرى بعض النقاد أن الميكرودراما تُحوّل الدراما إلى منتج يُستهلك ويُنسى بسرعة. إلا أن آخرين يرون فيها فنًّا جديدًا يقوم على الاقتصاد في التعبير، والقدرة على خلق تأثير عاطفي وفكري في أقل وقت ممكن.
تعيد الميكرودراما تعريف السرد الكلاسيكي. فبدل البناء المتدرج، تعتمد على الصدمة اللحظية أو المفارقة الذكية أو الانفعال المكثف، وهي أدوات تتناغم مع طبيعة الوسائط الحديثة وذائقة المتلقي الجديد.
أصبح من الصعب الحفاظ على انتباه المتفرج الذي أعادت تطبيقات الفيديوهات القصيرة هيكلةَ عقله لمدة ساعة. ولكن هل الميكرودراما تناسب طبيعة العصر، أم تساهم في تغيير عملية التلقي عند المشاهد؟
المشاهد المكثفة تجعل من الصعب على الممثل تقمص الشخصية. وبينما تعتمد تلك الأعمال على مشاهير السوشيال ميديا بدلاً من الممثلين المحترفين، تكون النتيجة ضعف الأداء التمثيلي، ما يجعل الشخصيات تبدو سطحية.
البحث عن المنصة الأنسب
لا يمكن قراءة الميكرودراما دون فهم الجيل الذي يحتضنها؛ جيل زد الذي يعيش في عالم مشبع بالصور، سريع التنقل بين التطبيقات ومئات الريلز. لذلك تبدو له الميكرودراما لغة يفهمها وإيقاع يناسب حياته.
لا يعني هذا غياب الذائقة الفنية أو رفض السرد الطويل؛ بل يعني أن هذا الجيل يحتاج إلى أشكال هجينة تجمع بين التكثيف ومنطق القصة، بين السرعة ومعنى الحكاية.
إذا اقتصر وجود هذه المسلسلات على منصات المشاهدة سيكون الإقبال عليها ضعيف للغاية، بينما لو تمت إتاحتها على تيكتوك أو يوتيوب، وهو السائد في العالم، سيكون ذلك الأنسب؛ فهناك منصات مخصصة لهذه الأعمال أشهرها Reel short.
يعد مسلسل ابن الشركة خطوة شجاعة من WATCH IT. والتجربة في المجمل جاءت جيدة، بها هنات واضحة، ولكنها جيدة في المجمل.

