تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الرقابة على المصنفات الفنية

السلطة والرقابة والجمهور| صحوةٌ إسلامية وفنٌ نظيف

منشور الأحد 7 حزيران/يونيو 2026 - آخر تحديث الاثنين 8 حزيران/يونيو 2026

شهدت قوانين الرقابة والنقابات الفنية تعديلات مؤثرة في عامي 1976 و1978 بالتوازي مع صعود الصحوة الإسلامية بدعم من نظام الرئيس أنور السادات. وفقاً للتعديلات، يقع التعبير الفني تحت طائلة قانون العقوبات الذي أصبح يتضمن عقوبات سالبة للحرية وغرامات في جرائم التعبير.

ضيّقت هذه التعديلات بشدة على الأعمال الفنية التي تتناول مواضيع الدين والمعتقد، سواء أشارت إلى "اتجاهات روحانية لا تعترف بها الدولة ولا المجتمع مثل اللا-أدرية أو الأديان غير السماوية"، أو "تلك التي تنطوي على تجسيد الأنبياء، أو على انتقادات موجَّهة للدين أو روايات تاريخية غير تقليدية بشأنه".

كما أصبحت النقابات الفنية وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية-بموجب التعديلات- جهاتٍ تحكُّم شامل في ممارسة المهن الفنية والتصريح بها، ومنح التراخيص والرقابة على المحتوى، ما يُمكِّنها من إيقاف الأعضاء في أي وقت، أو حرمانهم من العضوية المؤقتة أو الدائمة، والتراخيص اللازمة لإصدار أعمالهم.

غني عن الذكر، أن الصلاحيات المطلقة التي مُنحتها الرقابة تعني، في نطاق الممارسة العملية، تضييقاتٍ على المنتج الفني الذي لا يتضمن بالضرورة تجاوزات كبيرة مثلما تنص اللوائح وتمتد المضايقات الرقابية إلى أبسط أشكال التعبير والمعالجات الفنية، وتمنح الصلاحيات سلطة للرقيب كموظف عام لتتدخل آراؤه الشخصية ومعتقداته، من حيث التزمت أو الانفتاح، في كل كبيرة وصغيرة داخل العمل الفني. وهو ما أثّر بشدة على الأفق الضيّق بطبعه للأعمال الغنائية والدرامية.

تسبب ذلك بالتدريج في هروب شعراء الأغنية من كل احتمال مجازي بسيط قد يتسبب في إغضاب الرقيب وبالتالي عدم إجازة الأغنية. وبدأت إجازة العمل الغنائي تتحول لعملية مضنية من التفاوض، في مناخ عام زاد تطرفه وتأثره بخطابات الإسلام السياسي التي تُحرّم الغناء وتضيق بالاستعارة والمجاز بالكلية.

يد السادات 

حسب المؤرخ شريف يونس، استند تثبيت السادات لسلطته الرئاسية على تحالف محافظ كانت مكانته مستقرة داخل نظام يوليو وإن همّشه عبد الناصر لصالح جناح يميل لليسار في الستينيات.

مشهد من فيلم العصفور

شهدت مناقشات مؤتمر الميثاق الوطني في 1961-1962 خلافات واسعة بين الجناحين، وانتهت بإصدار الجناح المحافظ لورقة من أوراق المؤتمر تدافع عن احترام الملكية الخاصة ومساهمتها في الاقتصاد، وتعترض على الانحياز لطبقة بعينها (العمال والفلاحين المركزيين في خطاب النظام)، وتثير جدالات عن أهمية دور الدين في الدولة.  توسعت قاعدة هذا الجناح بعد هزيمة 1967، ومهّدت للإطاحة بالعناصر التي أحاطت بجمال عبد الناصر بعد وصول السادات للسلطة، في حركة مايو 1971 المعروفة بـ"ثورة التصحيح" أو الانقلاب على "مراكز القوى".

يرصد الناقد علي أبو شادي، المعروف بميوله الناصرية، في كتابه الأرشيفي "وقائع السينما المصرية في مائة عام 1896-1995"، التحولات التي أخذت مجراها منذ عام 1971، بعد وفاة جمال عبد الناصر في 1970. بدايةً من تصفية المؤسسة العامة السينما (القطاع العام) عام 1971، بالتوازي مع خسائرها الاقتصادية المتراكمة وتناقص إنتاجها تدريجيًّا (12 فيلمًا من أصل 46 فيلمًا في العام نفسه)، وحتى المنع الرقابي لعرض عدة أفلام أشهرها زائر الفجر والعصفور وجنون الشباب والتلاقي.

كانت الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973 مشتعلة بالاحتجاجات الطُلابية طلبًا للإسراع بالحرب، مع حشد القطاعات الناصرية واليسارية للغضب ضد الرئيس السادات، الذي أصبح منذ ذلك الوقت عدوًّا صريحًا لها، وهو ما سرّع من لجوئه للتحالف مع الإخوان المسلمين والإفراج عن المرشد حسن الهضيبي وقيادات الجماعة، واستعادتهم لحلبة السياسة والمجتمع، والسماح لهم بإصدار صحيفتهم المُصادرة واقتحام الجامعات المصرية منذ 1971.

عاش اللي قال

كانت الأغنية الوطنية ساحة نموذجية للنزاع على السرديات في المرحلة الانتقالية بعد وفاة جمال عبد الناصر وحتى حرب أكتوبر 1973 وما بعدها.

إذ توقفت إذاعة أغنيات الفترة الناصرية بأوامر رقابية، بما فيها أغاني رثاء عبد الناصر التي ظهرت لفترة لا تتعدى خمسين يومًا. واقتصرت احتفالات ثورة يوليو على إنتاج أغنيات أكثر عمومية عن الوطن والمقاومة خلال حرب الاستنزاف. وباستثناءات بسيطة، توارى تقليد ذكر اسم رئيس الجمهورية في الأغاني الوطنية خلال عهد السادات، حتى ظهرت الإشارات للسادات في الأغنيات الوطنية التالية لحرب أكتوبر مباشرة وبعد توقيع معاهدة كامب ديفيد 1979.


عملية طمس أغاني العهد السابق مع بداية عهد جديد بدأتها حركة الضباط الأحرار بإخفاء أغنيات العهد الملكي. أعدمت أم كلثوم أغنياتها للملك فاروق داخل مبنى الإذاعة المصرية ما بين عامي 1954 و1956، وحُذفت كوبليهات أغنية "أنشودة الفن" من ألحان محمد عبد الوهاب والتي غنتها ليلى مراد في فيلم الماضي المجهول عام 1946، ليُسمح فقط بغناء المذهب.

خلال الفترة الناصرية تكاثرت الأغاني التي تُنتجها الإذاعة المصرية وتحتشد بعبارات المديح والتملُّق للرئيس جمال عبد الناصر، بصفة بدت شبه إجبارية لمعظم الأغنيات الوطنية. إلا أن عبد الناصر أصدر تعليمات بعد هزيمة 1967 بمنع إذاعة الأغنيات التي يأتي فيها ذكره، والاقتصار على الأغنيات ذات المعاني الوطنية العمومية. 

خلال التسعينيات انتزع المحامي مجدي العمروسي (الشريك الثالث في شركة صوت الفن) موافقة عبر رسالة أرسلها للرئيس حسني مبارك بإعادة طبع الأعمال الوطنية لعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، وأغلبها إنتاج الفترة الناصرية، ليستغلها كذلك في طباعة بعض أغنيات عبد الوهاب في الفترة الملكيَّة، لتظهر أنشودة الفن كاملة بصوت محمد عبد الوهاب، ثم أغنية يا رفيع التاج من آل سعود، وهو ما شجّع اذاعة الأغاني المصرية بعدها على إذاعة حفلة أم كلثوم في النادي الأهلي عام 1944 والتي غنت فيها أغنية يا ليلة العيد متضمنة كوبليهات تمتدح الملك فاروق. كذلك استعيدت أغنية المسيح لعبد الحليم حافظ- الممنوعة من الإذاعة سابقًا منذ نهاية الستينيات- على موجات نفس الإذاعة خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.

السلفيون قادمون

كانت الميول الساداتية نحو إحياء النزعة الإسلامية توافق توجهًا نحو تصفية نفوذ الاتحاد السوفيتي في المنطقة العربية، على أساس تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة المملكة العربية السعودية في بداية السبعينيات.

واستلزم هذا التحول إحلالًا للقيادات الإعلامية والثقافية في مصر، بما يتفق والسياسات الجديدة التي تجمع الانفتاح الاقتصادي مع دعم التيارات الإسلامية كأسس لسياسة السادات في الداخل. أعطى انتصار أكتوبر 1973 ضوءًا أخضر لهذه الإجراءات، وأشهرها خروج محمد حسنين هيكل من رئاسة تحرير الأهرام بقرار رئاسي في 1974، والإفراج عن مصطفى وعلي أمين، ليترأس علي أمين تحرير الأهرام لفترة لم تطُل نتيجة رفض الصحفيين. كذلك تولى كلٌ من صالح جودت وعبد العزيز الدسوقي رئاسة تحرير مجلتي "المصوّر" و"الثقافة" في مرحلة لاحقة.

الشيخ محمد متولي الشعراوي

الفترة نفسها شهدت صعودًا للمذيع المعروف بتوجهه الإسلامي أحمد فرّاج ببرنامجه نور على نور، الذي بدأ بثه مع بداية التليفزيون المصري في 1960، وقدّم منه ما يربو على الألف حلقة، تحاور خلالها مع مئات الشخصيات الإسلامية والدعاة. كما تصاعدت نجومية الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي أصبح وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر في 1976، ثم خُصِّصت له مساحة في الإعلام الرسمي، وطُبعت كتبه في مطابع أخبار اليوم وتعاظمت شهرته خلال عهد مبارك. وهو صاحب المقولة الشهيرة أنه سجد شكرًا لله بعد هزيمة 1967 التي لولاها لما أُقصي المعسكر الشيوعي عن مصر. وهو من بارك حرب أكتوبر في عهد السادات، لأنها انتصرت بفضل شعار "الله أكبر" والملائكة التي حاربت إلى جوار الجنود المصريين، حسب قوله.

كذلك خُصِّص برنامج "العلم والإيمان" على التليفزيون الرسمي للداعية والطبيب مصطفى محمود، وهو من أكبر مؤيدي السادات، والمتحول عن انتمائه اليساري للتوجه الإسلامي ليخوض حروبًا إعلامية شرسة ضد التوجهات العلمانية والليبرالية واليسارية. كما قاد عبر برنامجه بدايات "العلموية الإسلامية"، التي تربط الظواهر العلمية بالتفسيرات الإيمانية والميتافيزيقية، وتبنَّتها سلسلة طويلة من الأتباع والدعاة لاحقًا.

بات الصوت الأعلى للمنع يستعمل المبررات الدينية سيفًا على رقاب المبدعين

كانت تحولات السبعينيات والثمانينيات فاصلة في تسيُّد التيار الإسلامي آليات الرقابة، بشقيها الرسمي والشعبي، لتؤسس لحالة قمعية تطال المنتجات الفنية بأشكالها المتنوعة. ويمكن القول إنها أضافت الطبقة الأخيرة لما شهدته العهود السابقة من التشدد الرقابي والنزوع المحافظ، إذ بات الصوت الأعلى للمنع يستعمل المبررات الدينية سيفًا على رقاب المبدعين، مُعزّزًا بإمكانيات مادية ونفوذ سياسي وسماح رئاسي.

الحجاب.. الحجاب

صعدت خطابات التحريم والاحتجاب التي تطال النساء عمومًا والفنانات خصوصًا، ونتجت عنها الموجة الأولى من حجاب الفنانات وافتتحتها شمس البارودي سنة 1982 ليتبعها عدد من الفنانات، بإشراف دعاة مشهورين مثل عمر عبد الكافي والشعراوي. كما صرّحت أخريات لاحقًا، مثل سعاد حسني، باستهدافهن خلال نفس الفترة بعروض مالية سخيَّة مقابل ارتداء الحجاب والاعتزال.

ضاقت مجالات العمل في الملاهي الليلية التي بدأت تغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر في مصر

اعتزلت المطربة عزيزة جلال التي لمعت لفترة قصيرة في 1985 بعد زواجها برجل أعمال خليجي، واكتفت شادية بأفلام سينمائية قليلة قبل أن تعلن احتجابها واعتزالها الفن في منتصف الثمانينيات عند بلوغها الخمسين. ثم التحقت بها في 1997 شريكتها في بطولة مسرحيتها الوحيدة ريا وسكينة، الفنانة سهير البابلي، والتي تبنت هجومًا أكثر ضراوة تجاه مهنتها السابقة.

ضاقت مجالات العمل في الملاهي الليلية التي بدأت تغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر في مصر، وقلّت فرق المسرح الخاص، وتقلصت ميزانيات وإنتاج السينما التي شهدت دعوات لاحتجاب الممثلات استجاب لها العديد من النجمات (نورا/مديحة كامل/عفاف شعيب/نسرين/سهير رمزي)، لتشهد السينما المصرية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات أقل فتراتها الإنتاجية عبر تاريخها.

إرهاب الفنانين

فرض التحالف بين التيار الإسلامي والدولة بقيادة السادات أمرًا واقعًا امتد لعهد خليفته حسني مبارك بعد اغتياله، كما تغيّر الشرط السياسي للمنطقة بأسرها لصالح خطابه وجماعاته، التي حصلت على دفع سياسي وتمويلي ضخم، ضمن استراتيجية دول الخليج لمساندة المعسكر الغربي في حرب أفغانستان وخلال الحرب الباردة. فُرض التيار الإسلامي بنفوذه الاجتماعي المتزايد على أجندة المواءمات السياسية؛ ذراعًا لقمع المعارضين وتسكين الأزمة الاجتماعية، والتضييق على الطبقة الفنية والثقافية عبر دعاوى الحسبة وإرهاب الفنانين بمزيد من القيود الرقابية.

تحورت أشكال الدعوة والرقابة الصحوية بما يناسب الوسائط الإعلامية والفنية المختلفة في كل عقد تقريبًا، لتصبح شبكة متكاملة لا يفلت منها نوع ولا قطاع فني. في عصر الكاسيت وموسيقى الجيل، قدّم حميد الشاعري وجوهًا نسائية اعتزلت الغناء خلال عقد من نجاحهن تقريبًا، في ما عدا الفنانات سيمون وأنوشكا، ثم أنغام التي التحقت بأجيال الوسط مع تناقص عدد المطربات المصريات بشكل ملحوظ.

فرقة المصريين

اعتزلت المطربة حنان الغناء وارتدت الحجاب في1997، ولحقتها عايدة الأيوبي في نفس الفترة، ثم منى عبد الغني في 2001، وتوقفت المغنيات اللاتي ظهرن خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات في ألبومات حميد الشاعري وقدمن، بالتعاون معه، أغنيات وألبومات مثل أميرة وعالية/ فرقة أمريكانا شو و"داليا" و"راندا"، وتوقفت مغنية فرقة المصريين منى عزيز في نفس الفترة. كما انتقبت واعتزلت كلٌّ من سوزان عطية، وهي إحدى المخضرمات من مطربات فرقة الموسيقى العربية، وياسمين الخيام التي اشتهرت بأدوارها الدينية والخيرية من خلال جمعية ومسجد الحصري في مدينة 6 أكتوبر، الذي كان مركز انطلاق مجموعة كبيرة من الدعاة الشباب، عُرفوا لاحقًا بـ"الدعاة الجُدُد".

زمن الحسبة

خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، عادت بعض الفنانات المعتزلات للظهور على قناة اقرأ الدينية التي امتلكها رجل الأعمال السعودي صالح كامل، واختار الداعية الذي لمع نجمه عمرو خالد ليكون مستشارًا إعلاميًّا له. خصصت "اقرأ" برامج لهن مع ظهور نمط "المؤثرات الدينيات"، الذي امتد بعد ذلك لعالم السوشيال ميديا، كما عاد بعضهن للتمثيل في مسلسلات درامية.

نجيب محفوظ

مع بلوغ هيمنة الصحوة الإسلامية ذروتها، اخترقت الوصاية الدينية المؤسسات الفنية الرسمية، وبدأت الجهات الحكومية تزايد عليها في ادعاءات التقوى، بغرض كسب الذائقة العامة وإرضاء نزوعات التدين المظهرية، في سباق لا ينتهي. بدأت تلك الجهات بحذف أغنيات قديمة من البرنامج الإذاعي وبرامج فرق الموسيقى العربية، واستبدلت كلمات بعض الأغاني، بمنطق القراءة الحرفية للمجازات الشعرية وتوزيع اتهامات التكفير. وأصبح كثير من القائمين على المؤسسات الثقافية الرسمية ممثلين لنفس المنطق في قراراتهم الإدارية، وهو ما يعكس تلاشي الحدود بين مجالات الدعوة ومجالات الإبداع، وتشابك العلاقات داخل مركب المحافظة الاجتماعية الذي تلتقي تحت مظلته أطراف سلطوية متعددة.

في النصف الأول من التسعينيات، تزامنًا مع عودة "المجاهدين" المصريين من أفغانستان بنهاية الحرب ضد الاتحاد السوفيتي المنهار، بدأت سلسلة من الاغتيالات لسياسيين ومفكرين، وعمليات إرهابية متوالية استهدفت أقباطًا وسائحين ومواطنين في مصر، من بينها اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب (1990)، واغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة (1992)، وطعن الأديب نجيب محفوظ (1994)، وأيَّد القضاء حكمًا بالتفريق بين المفكر نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس في 1996 بسبب قضية الحسبة الشهيرة.

نجحت ضغوط قضايا الحسبة في منع عرض فيلم للحب قصة أخيرة للمخرج رأفت الميهي (1986) إلا بعد حذف مشهد اعترضت عليه الرقابة، لتحقق سابقة جديدة. وسيُمنع فيلم المهاجر ليوسف شاهين (1994) من العرض بحكم سيُلغى في درجات التقاضي اللاحقة(*). رغم أن الفيلم أُجيز رقابيًا، وحُذفت منه كل الإشارات الدينية استجابة لرقابة أخرى من الأزهر، الذي وقف عقبة أمام تصوير الفيلم وإجازة السيناريو لعدة سنوات.

في عهد مبارك، بدت أوضاع الطبقة الثقافية، والنساء في قلبها، أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

سيصبح هذا الحكم مسوغًا ومفتتحًا لسلسلة من القضايا والمطاردات المرعبة، لأفلام وروايات ودواوين شعر، على يد نواب برلمان إسلاميين منتخبين. إذ تحول البرلمان المصري لساحة تعلو داخلها صيحات التكفير في مواجهة وزير الثقافة وقتها- فاروق حسني، لتنجح الاستجوابات البرلمانية وضغوط الصحف الإسلامية (مثل جريدة "الشعب") في مصادرة عدد من الروايات عبر اتهام كتابها بازدراء الأديان وإشعال الغضب الشعبي ضدهم، وأشهرها واقعة رواية وليمة لأعشاب البحر للكاتب السوري حيدر حيدر في 1999.

في عهد مبارك، بدت أوضاع الطبقة الثقافية، والنساء في قلبها، أكثر هشاشة من أي وقت مضى. ازداد تشبث الفنانين والمثقفين بحماية الدولة، التي ظهرت كضامن وحيد يحمي نخبةً ضعيفةَ الجذورِ الاجتماعية، أُجهضت محاولاتها للتنظيم والاستقلالية، كما حوربت الأحزاب السياسية التي تمثّل ظهيرًا منافسًا لهيمنة الإسلام السياسي على المجتمع. وأصبحت مسألة التحاق الطبقة الفنية بالسلطة الحاكمة أكثر حيوية، كآلية بقاء واستمرارية.

كان الرهان المباركي على عزل النخب السياسية والثقافية عن الاتصال بقطاعات واسعة من جمهورها جزءًا من سياسة إطالة عمر النظام، الذي يحكم عبر توازنات الضعف. إلا أن التيار الإسلامي وفي صدارته جماعة الإخوان المسلمين انتزع مساحة تنظيمية غير مسبوقة خلال عهده.

وبدت مشهدية الموجة السينمائية التي عُرفت بـالسينما النظيفة في العقد الأول من الألفية الثالثة، صورة صارخة للهيمنة الثقافية التامة، مع صعود جيل جديد من الفنانين، هم طرح عصر الصحوة الإسلامية من مواليد السبعينيات والثمانينيات، ورافدها الفنّي المستمر.


(*)عدلت المنصة هذا المقال بتاريخ 8 يونيو 2026 لتصويب المعلومات الواردة بشأن منع عرض فيلم "المهاجر" قضائيًا.