أسطول الصمود العالمي
وصول الناشط سيف أبو كشك إلى مطار برشلونة بعد إطلاق سراحه، 10 مايو 2026

حوار| سيف أبو كشك عن أسطول الصمود: لا مفر من حصار "الحصار"

منشور الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2026

ثمة طريقان إلى غزة المحاصرة؛ الأول برًا عبر المعابر المصرية، وهو مسار صعب، أما الآخر فهو البحر؛ التحدي الذي يصر أسطول الصمود العالمي على خوضه في محاولاته المستمرة لكسر الحصار عن القطاع المنكوب.

في 26 أبريل/نيسان الماضي، انطلق الأسطول نحو غزة من ساحل صقلية جنوب إيطاليا، مكوّنًا من 56 قاربًا على متنها مئات المتطوعين من جنسيات مختلفة. 

بعد أربعة أيام، وفي منتصف ليل 30 أبريل، كانت قواربُه قبالة السواحل اليونانية، على بعد نحو 600 ميل بحري من القطاع، حين تعطلت أجهزة الاتصالات فجأة، وأحاطت بها زوارق سريعة وطائرات مسيرة وسفن حربية.

هؤلاء الذين فهموا ما يجري فوجئوا بوقاحة جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي وإن كانت عادته أن يهاجم المهمات الإنسانية في المياه الدولية، إلا أنه للمرة الأولى يهاجمهم على هذه المسافة البعيدة من غزة. 

بعد لحظات، دوّى صوت جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وهم يقتحمون القوارب ويأمرون النشطاء برفع أيديهم.

قضى أكثر من 175 ناشطًا ليلتهم محتجزين على متن سفينة حاويات رافقت قوات الاحتلال، تعرضوا خلالها للضرب والإهانة، قبل أن تطلق قوات الاحتلال سراحهم في جزيرة كريت صباحًا.

لكن الناشط الفلسطيني سيف أبو كشك لم يكن محظوظًا مثلهم؛ إذ فُصل مع القيادي البرازيلي تياجو أفيلا عن بقية المجموعة، واقتيدا إلى فلسطين المحتلة.

في حوار مع المنصة، يستعيد أبو كشك ما جرى منذ اللحظات الأولى للاعتراض حين قُيّد بالسلاسل وأجبر على الاستلقاء أرضًا مكافحًا لالتقاط أنفاسه، قبل أن يواجه المصير الذي طالما كان يخشاه. 

 


جريمة في المياه الدولية

يُعد سيف أبو كشك، المولود عام 1981 في مخيم عسكر للاجئين في نابلس، من أبرز وجوه القضية الفلسطينية في إسبانيا التي يقيم فيها منذ نحو عقدين، إذ يدير العلاقات الدولية في الاتحاد النقابي الكاتالوني كما انضم هذا العام عضوًا في اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود وأصبح أحد المتحدثين باسمه، وشارك في رحلته إلى غزة العام الماضي.كما شارك في "مسيرة غزة العالمية" التي أطلقت في يونيو/حزيران 2025 قوافلَ مساعدات برية من المغرب عبر الجزائر وتونس وليبيا باتجاه مصر، ضمن محاولة للوصول إلى معبر رفح، وكان بين مئات النشطاء الذين وصلوا إلى القاهرة جوًّا قبل أن توقفهم السلطات المصرية وتمنعهم من التقدم نحو سيناء.

يروي أبو كشك كيف نُقل مع زملائه في أبريل الماضي إلى سفينة إسرائيلية حُوّلت إلى ما يشبه مركز احتجاز باستخدام حاويات الشحن، حيث خضعوا للتفتيش وصودرت مقتنياتهم الشخصية، ومن بينها خاتم زواجه والرموز الفلسطينية التي كان يرتديها.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعترض سفن أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة في المياه الإقليمية ويستولي على عدد منها، 29 أبريل 2026

"قطعوا 600 أو 700 ميل ليعتقلوني"، يقول واصفًا ما جرى بأنه اختطاف وقرصنة واعتداء على سيادة الدول، "فليس هناك قانون تحترمه إسرائيل".

يتذكر اللحظة التي نادوا فيها على اسمه دون الباقين ودفعوه إلى قارب آخر، إذ تأكد أنه في طريقه إلى رحلة طويلة؛ "كنت واصل لهاي القناعة، أنه أنا رايح لفترة طويلة، إنه خلاص موجود بين إيديهم وعارف تاريخهم الطويل بالاعتقالات والاعتقال الإداري وإنه مفيش شيء قانوني عندهم". 

على مدى الأيام العشرة التالية، احتُجز في سجن شيكما بعسقلان داخل زنزانة بلا نوافذ، تحت إضاءة متواصلة، وفي عزلة شبه تامة، وهناك بدأ مع تياجو أفيلا إضرابًا مفتوحًا عن الطعام قبل أن يُصعّد سيف احتجاجه برفض شرب الماء أيضًا. 

مددت سلطات الاحتلال احتجازهما أكثر من مرة على خلفية اتهامات بـ"مساعدة العدو في زمن الحرب" و"الانتماء إلى منظمة إرهابية وتقديم خدمات لها". وفي إعلان الإفراج عنهما في 10 مايو/أيار الماضي، وصفتهما الخارجية الإسرائيلية بأنهما "محرّضان محترفان"، قبل أن ترحّل أفيلا إلى البرازيل عبر القاهرة، وتعيد أبو كشك إلى إسبانيا.

لما اليوم الاحتلال يوصل عند اليونان علشان يوقف السفن، كيف قدر يوصل لهناك بدون موافقة الاتحاد الأوروبي؟ إذن هناك تواطؤ دول أوروبية

في حوار صحفي قبل أيام من انطلاق هذه المسيرة، وبعد أن دافع أبو كشك عن الحق في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أكد عدم ارتباط الأسطول بأي حزب سياسي مشيرًا إلى أن تحركاتهم تأتي من منطلق يؤمن باللاعنف ويعتمد على الفعل المباشر كأداة ضغط.

لكن تجربة أبو كشك لم تكن سوى فصل من مسار أوسع فبعد أيام قليلة من واقعة الاعتراض الأولى، أعلن بنفسه أن الأسطول أعاد تنظيم صفوفه وأبحر بدونه إلى غزة، قبل أن تعترضه إسرائيل مرة أخرى قرب سواحل قبرص، وتحتجز مئات النشطاء وتعذبهم.

بعد عودة هؤلاء النشطاء إلى بلدانهم وإدلائهم بشهادات عن الضرب وسوء المعاملة والانتهاكات الجنسية التي تعرضوا لها خلال الاحتجاز، ثارت موجة انتقادات دولية وتوترات دبلوماسية واسعة ضد إسرائيل.

شملت ردود الفعل استدعاء سفراء إسرائيل في عدد من العواصم، وحظر دخول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في بعض الدول، بعد ظهوره في فيديو يتفاخر بينما كان النشطاء يتعرضون للتنكيل في ميناء أسدود حيث احتجز نحو 400 ناشط في سجن النقب قبل ترحيلهم. 

وفي 29 مايو أدرجت الأمم المتحدة إسرائيلَ في قائمتها السوداء للدول المشتبه في ارتكابها عنفًا جنسيًا مرتبطًا بالنزاعات، ما دفع تل أبيب إلى إعلان نيتها قطع علاقاتها مع المنظمة الدولية وأمينها العام.

يرى أبو كشك أن هذه النتائج بالضبط هي الهدف الأساسي لأسطول الصمود العالمي.

للمقاومة وجوه عدة

الناشطان تياجو أفيلا وسيف أبو كشك اللذان اختطفتهما إسرائيل من المياه الدولية خلال مشاركتهما في أسطول الصمود العالمي

يرد أبو كشك على من يطعنون في جدوى الأسطول بأنهم يفترضون خطأً أن هدفه الوحيد هو كسر الحصار فعليًا والوصول إلى غزة، إلا أن أحد أهدافه الأساسية كان تحدي "قانونية الحصار نفسه".

كما أن الأسطول سعى إلى كشف التواطؤ الدولي مع الاحتلال؛ "لما اليوم الاحتلال يوصل عند اليونان علشان يوقف السفن، كيف قدر يوصل لهناك بدون موافقة الاتحاد الأوروبي؟ إذن بنحكي إحنا عن تواطؤ دول أوروبية"، يقول أبو كشك.

ويشير إلى أن استخدام هذه القوة المفرطة ضد نشطاء سلميين، معظمهم من جنسيات أوروبية وأجنبية، جاء بنتائج عكسية. فبدلًا من طي صفحة الأسطول، أعاد ما جرى غزةَ وفلسطين والاحتلال والإبادة الجماعية إلى واجهة النقاش الدولي، ووسع دائرة الضغط السياسي والحقوقي حول إسرائيل.

وفي قراءته لما جرى، يرى أبو كشك أن الضغط الدولي الذي أعقب اعتراض الأسطول هو جزء من مسار تراكمي طويل من الضغط السياسي والقانوني والإعلامي حول القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن هذا المسار اتخذ بُعدًا قانونيًا جديدًا بعد الاعتراضات؛ "فتحنا ملفًا جديدًا مع المحكمة الجنائية الدولية بخصوص الاعتداءات التي قامت بها إسرائيل". 

وكان أسطول الصمود العالمي أعلن في بيان صحفي في 29 مايو الماضي، أن وفدًا من محامين وضحايا وطاقم طبي تابع له قدّم إخطارًا رسميًا إلى المحكمة الجنائية الدولية يتهم قادة عسكريين وسياسيين إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتعذيب وأفعال ترقى إلى الإبادة، على خلفية اعتراضَي أبريل ومايو الماضيين.

ولا يتعامل أبو كشك مع هذا المسار القانوني بوصفه وصفة سريعة لحل القضية الفلسطينية، لكنه يراه جزءًا من أدوات الاشتباك المتاحة؛ "لا نقول ماذا سيفيدنا أو لن نستفيد أو لن يتغير.. نستخدم المساحة القانونية، نستخدم المساحة السياسية الجماهيرية الشعبية، نستخدم الثقافة... الأكل، العروض، الفن، الرسم، الصور، الشعر... كل هذه المساحات هي مساحات نستطيع أن نحاصر فيها الاحتلال". 

صمود أسطول.. وشعب

سفن إسرائيلية تعترض أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية قُرب جزيرة قبرص، 18 مايو 2026

يستعيد أبو كشك ثلاث لحظات تركت أثرًا عميقًا في تجربته؛ الأولى كانت لحظة الاعتراض نفسها، إذ يقول إنه أصيب "بحالة من الصدمة" من الطريقة التي جرى بها التعامل معهم. 

أما الثانية فكانت حين أدرك أنه أصبح هدفًا مباشرًا، إذ تعرض بعد نقله إلى فلسطين المحتلة لتحقيقات امتدت، في بعض الأيام، 18 ساعة متواصلة داخل زنزانة انفرادية في مقر المخابرات مباشرة، لا في قسم الهجرة أو الحدود كما جرت العادة في عمليات اعتراض سابقة.

حين أُبلغ بقرار الترحيل، إنه لم يصدق الخبر في البداية، وتعامل معه باعتباره "مجرد لعبة إضافية"، واتفق مع رفيقه أفيلا على ألا يتعاملا مع الترحيل بوصفه أمرًا محسومًا "لحتى يصير فعلًا"، تفاديًا لأي انهيار نفسي مبكر. 

لكن اللحظات الأعمق، في نظره، ارتبطت برفاقه في الأسطول؛ حين سمع أصواتهم وهم يهتفون ويطرقون على الحاويات من أماكن احتجازهم احتجاجًا على عزله ونقله، ثم حين التقاهم مجددًا في تركيا بعد ترحيله بينما كانوا يستعدون لاستئناف مسيرة الأسطول الثانية نحو غزة. 

أما اللحظة الثالثة، فكانت في شهادات من عادوا مصابين أو مكسوري الأضلع، لكنهم ظلوا يرجعون ما جرى لهم إلى القضية الفلسطينية لا إلى أنفسهم، مهمشين ما تعرضوا له مقارنةً بما يعيشه الأسرى الفلسطينيون؛ "فعلا اللي اتعرضنا له، مقارنة بالشهادات اللي بنسمعها من الأسرى الفلسطينيين، لا يقارن".

أكثر ما يختزل به أبو كشك هذه التجربة هو شعوره بالخجل من الحديث عنها أصلًا؛ "أنا بخجل أحكي شو اللي صار معي، لأني بالآخر أنا 11 يوم وطلعت، فيه ناس بتقعد سنين جوا في السجن عم تتعذب كل يوم وما عم نسمع صوتها".