دولة دوريان جراي العجيبة
محاولة لفهم أعجوبة الإغواء القسري!
يُلخص عالم الاجتماع الفرنسي ريجيس دوبريه التحول الذي أدخلته الميديا على علاقة الدولة بالشعب بأنها نقلت هذه العلاقة من contract إلى contact/من العقد إلى الاتصال، بهذا أصبحت طريقة الظهور أهم من الفعل.
وأثبتت الممارسة أن كل الدول لا تستغني عن استمالة الجمهور، بما فيها الدولة الشمولية التي تملك القوة لتوحيد الجميع قسريًّا في مسار واحد (مثالها الاتحاد السوفيتي) والدكتاتورية الساذجة التي تملك إسكات الجميع (ومثالها القذافية القديمة)، بينما تقوم الديمقراطية أساسًا على استمالة الجمهور، لكنها تشبه من جهة أخرى الدولة الشمولية والاستبدادية في كونها لا تستغني عن استخدام العنف أحيانًا.
لا يمكن تصنيف نظامنا الحالي ضمن أي من الأنظمة الثلاثة المعروفة، لأنه يستخدم مروحةً واسعةً من الوسائل، لكنه يشترك مع الأنظمة الثلاثة النقية في السعي إلى استمالة الجمهور. وقد استثمر في إعلام لم ينجح في القيام بالمهمة، وتكررت عمليات التأسيس والاستحواذ على القديم، وفي كل مرة كانت الأجهزة المسيطرة تكرر التجربة بالمدخلات نفسها وتنتظر نتائج مختلفة، وعندما لا تجدها تعلن إحباطها من ذلك الإعلام العجيب الذي لا يستطيع السباحة بذراعين مقيدتين.
عالم مؤتمرات.. مؤتمرات
يبدو أن هذا اليأس كان السبب في مولد استراتيجية بديلة ثابتة منذ 2015، وهي اجتماع السلطة لعرض إنجازاتها بنفسها على الجمهور من خلال لقاءات احتفالية تحمل أسماء مختلفة، من إفطار الأسرة المصرية إلى منتدى الشباب، فـ حكاية وطن، والمنتدى الاقتصادي، حيث تتحدث السلطة للجمهور عن إنجازاتها على مدى أيام، ولم يخل لقاء من هذه اللقاءات من عتب على الجمهور لأنه لا يرى الإنجازات.
في الإطار نفسه جاء التجمع الأخير الذي حمل رسميًّا اسم منتدى مصر 2026، وفعليًّا اسم "مؤتمر الإنجازات" بلغة جادة كما جاء على لسان رئيس الوزراء في الجلسة الافتتاحية أو بلغة المنتقدين الساخرة في تعليقاتهم. عرضت الحكومة أعمالها بالفخر المعتاد، والثبات على الاستراتيجيات نفسها دون أن تتمكن من الحفاظ على الثبات الانفعالي.
أبرز ما عُرض من تدابير مستقبلية هو صفقة تطوير عقاري بالترليونات، وطلب إحسان إسكاني للفقراء من المطور. ومن وجهة نظر المسؤولين الذين تكلموا، فالرضا عن النفس موجود في كل القطاعات، حتى في التعليم!
الجديد في المنتدى حقًا هو ارتفاع منسوب الغضب الرسمي من الجمهور المعاند، إلى حد الإعلان عن أن المؤتمر أقيم لرفع معنويات الحكومة "لأنها زعلانة وكانت عايزة تمشي". هذا منظور جديد على أدبيات السياسة والحكم في كل زمان ومكان، ولا بأس من أن تضيف مصر الولادة جديدًا للفكر السياسي، لكن الحكومة الزعلانة لا تصغي للجمهور على مدار عقد ونيف من الزمان، وواجبها أن تفعل؛ فالمفترض أن الاتصال علاقة بين طرفين. لكن فائض القوة وعدم التوازن بين مؤسساتها يمنعانها من ذلك.
هناك قنوات للتواصل تحفظ هيبة الدولة واستقرارها، وهي الإعلام الحر، والبرلمان الحر، والقضاء الحر، وفي غياب كل أو بعض هذه القنوات وفي وجود أجهزة التليفون في كل يد لا يبقى أمام الناس سوى التعبير عن أنفسهم بشكل فردي، فلا تستمع إليهم الحكومة، بل تضعهم في خانة الأعداء، فلماذا سيسمع الجمهور عتب الحكومة التي لا تسمعه أو تحاول استمالته على أرضها وبشروطها؟
إغواء الجمهور
كرَّس ريجيس دوبريه عام 1993 كتابًا لاستراتيجيات استمالة الجمهور، بعنوان الدولة الغاوية، الثورات الميديولوجية للسلطة وقد جاء الكتاب بعد كتابين؛ الأول دروس في الميديولوجيا العامة (1991) ويعني بـ الميديولوجيا سبل الفعالية الرمزية ووسائلها، كيف تستطيع كلمات أو صور بسيطة أن تغير مجرى الأمور، والكتاب الثاني هو حياة الصورة وموتها (1991).
حسب دوبريه، فإغواء الجمهور لم يعد بالمسألة البسيطة، لأن القائد أصبح يظهر بشكله البشري، بينما كان عملاقًا في الأزمنة السحيقة (كما تصوره تماثيل الفراعنة) أو مخفيًّا في أزمنة أقرب (كما فعل ستالين على سبيل المثال). يرى دوبريه أن تقديس الطاغية السوفيتي جاء من كونه لا يظهر إلا نادرًا ولا يُصوَّر إلا من بعيد، كذلك استطاع ديجول استعادة هيبة الدولة بالامتناع عن الإفراط في كشف نفسه أمام مواطنيه، وهذا بحد ذاته عمل حاذق وجبار في آن معًا، لأن "تمرير عقد كامل من السنوات عبر الشاشة الصغيرة هو كتمرير جمل من ثقب إبرة" (الدولة الغاوية، ترجمة عدنان محمد).
في تلك الأزمنة السعيدة كانت هناك مسافة بين الوجود الرمزي للحاكم ووجوده الفيزيائي؛ مسافة بين الإنسان العادي الذي يعيش في دولة والحاكم الذي تعيش الدولة فيه ويجسدها.
ولم يكن الحكام مهرة دائمًا؛ فمن يقرأ تاريخ مصر يتعجب كيف حكمها في بعض الأحيان أطفال ومختلون عقليًّا ونفسيًّا، وهذه ظاهرة عالمية لا تنفرد بها مصر، فقد كان البلاط الأوروبي يعج بالفوضى ويشهد مختلف أنواع الانحلال واللامعقول، وتصادف أحيانًا أن قاد التنوير ملك مختل ترك خاتمه لحاشية مستنيرة، كما حدث في بلاط كرستيان السابع الملك الدنماركي، وقد أصبح طبيبه يوهان فردريش حاكمًا فعليًّا بين (1770- 1772) وكان على صلة بقادة التنوير الأوروبيين فكان يصدر القرارات ويختمها بخاتم الملك الذي يلهو مع كلبه طوال الوقت. ما نقرأه من هذه الغرابات في كتب التاريخ كان مخفيًّا لحظة حدوثه.
على العكس من ذلك فرض العصر الحديث على الحاكم مخاطرة الظهور، وهذا يتطلب حرصًا على حركة الجسد، تعابير الوجه، الصوت، الخطاب، والقدرة على استخدام جملة قصيرة بليغة تسري بين الجمهور وتتردد، وفي الوقت ذاته يتصيد الجمهور الأخطاء ويرددها.
ألاعيب السلطة
جعلت الصورة المتحركة من الحكم مهنة شاقة، بسبب إلغاء المسافة بين الحاكم في وضعه القانوني والسياسي الرفيع وبين وضعه كفرد عادي، لأن الصورة المتحركة تعرض ما يحدث بالضبط؛ لا تؤمن بالمخفي ولا تمنح مكافآت.
وقد ظهر في المنتدى نوعان متعارضان من حضور الدولة: البكاء والغضب. مبدأ الدولة الغاوية، لا يمكن أن يتعايش مع الشخط، فكلمة "الإغواء" تعني الاستمالة التي تجعل الآخر يمنح حبه طوعًا، وكما يقول المثل "كله عند العطار إلا حبني غصب". ومن البديهي كذلك أن "الدموع" لا يمكن أن تجلب حبًا؛ ببساطة لأنها لا تناسب شخصًا تعيش الدولة فيه وينبغي أن يستمد الجمهور منه القوة.
بالتأكيد يمكن أن ينجح البكاء في إغواء الأغلبية البسيطة، والسلطة ليست بسيطة؛ فهي تستهدف هذا الجمهور بالفعل، وهذه استراتيجية سهلة لكنها خطرة، لأن هذه الأغلبية ليست مضمونة على المدى الطويل، وانفضاضها أخطر من انفضاض النخبة التي تفكر، لأنه يكون انفضاضًا غير عقلاني.
إقناع النخبة المفكرة صعب لكنه آمن، والسلطة تكره الصعب؛ فالقرض أسهل من الإنتاج، والعامي أسهل من المتعلم، حتى لو ادعت غير ذلك في لحظة أو أخرى. في ديباجة الإعلان الرسمي عن المنتدى نقرأ أنه يهدف إلى تفعيل الحوار المجتمعي بين الحكومة والمواطنين والخبراء والقطاع الخاص، وفي كلمته شدد رئيس الوزراء على هذا المعنى، مؤكدًا أن حديث الإنجازات ليس من طرف واحد، بل حوار مع الخبراء، فهل هذا ما حدث؟
خدعة المشاركة
على صفحته بفيسبوك كتب الدكتور أمجد حامد عمارة عميد كلية تجارة المنوفية السابق بمرارة شديدة عن تجربته في جلسة من أهم جلسات المنتدى مخصصة لسبل تعظيم موارد الدولة من النقد الأجنبي وإدارة الديون؛ "نظرًا لأهمية الموضوع، اقتطعت من معاشي الشهري الذي قبضته في نفس اليوم، والذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، ألف جنيه لتلبية الدعوة".
تكلفة الانتقال هنا ليست تفصيلًا زائدًا، فالدولة التي تمنح أستاذًا خمسة آلاف جنيه هي نفسها الدولة التي تجعل تكلفة انتقاله في مشوار واحد ألف جنيه، وتلزمه بفاتورة كهرباء على هذا النحو، بل إن جمرك كتاب يتلقاه الدكتور عمارة أو أي باحث آخر من الخارج يزيد على الألف جنيه.
الدولة التي تكرر مؤتمرات الإغواء وتدمع عيونها خلالها، لم تفكر كيف يعيش باحث بخمسة آلاف جنيه، بينما تمارس عدم التوازن في تصرفاتها، وهذا اللا تناغم واللا توازن هو عمليًّا العقبة الأبرز أمام رغبتها في إغواء الجمهور.
بعد هذا العناء ماذا وجد الأستاذ في القاعة؟ صف واحد من المقاعد الوثيرة للمسؤولين، وبفاصل من الفراغ توجد أربعة صفوف من كراس صغيرة غير مريحة ومتزاحمة للخبراء. وفوق ذلك فوجئ بستائر من الضوء قوية ومجهدة قطعت أوصال القاعة فلم يعد الخبراء قادرين على رؤية المسؤولين. وأدارت الجلسة مذيعة، وجهت أسئلتها إلى المسؤولين الذين تحدثوا عن إنجازاتهم حتى انتهى الوقت.
هكذا اكتشف الدكتور عمارة أن الخبراء جاءوا ليشهدوا صامتين على الإنجازات، فيما يشبه انتزاع الاعترافات تحت التعذيب (الضوء الشديد أسلوب متبع في التحقيقات) لهذا يستغفر الأستاذ الجامعي الله لأنه ظلم نفسه، وهذا الظلم لا يرضاه الله بالمعنى الديني ولا يرضاه لنفسه.
الشهادة موجعة، فالخبير الذي لا يتاح له الإدلاء برأيه عبر القنوات الطبيعية المعطلة، لم يتمكن من منح خبرته حتى في المنتدى المحدد بالمكان والوقت.
هكذا تحتفل السلطة بجمالها، دون فرصة لرأي أحد فيها، وإن تسرب سؤال في جلسة لم تمنعه مذيعة مسيطرة أو كرابيج الإضاءة يتم التعامل معه بعنف حتى يصبح الرد غير مفهوم، ويقدم نموذجًا للعي والحصر.
هندسة الجلسات لا تختلف عن هندسة الإعلام التي جعلته على هذه الصورة البائسة، لكن الخبر السعيد الذي لم يصل إلى إدراك من يديرون المشهد أن طبيعة الكاميرا تتنصل من أي قانون أو ضوابط احترازية، هذا الجهاز الوسيط بين الدولة والجمهور ليس لديه إيمان، ولا يمنح قداسة لأحد فيعالج له صورته. الخطأ يغري الكاميرا أكثر مما يغريها الصواب، وفي ظل امتلاك الجميع لتليفونات في أيديهم تنتهي المنتديات بفيديوهات الزلل، وتأتي بنتائج غير التي كانت مأمولة.
واقع مظلم
تضيء أفكار دوبريه للمواطن طريقه وتكشف له آليات الدولة الحاذقة في استمالته، لكي يقاوم هذه الاستمالة وينظر بدلًا من ذلك إلى سلوك الدولة تجاهه وإنجازاتها على الأرض، لكن أفكاره ذاتها تصلح لتثقيف الدولة، إن كانت تقرأ، فتفهم أن الخطاب، حتى لو كان ناجحًا، لا بد أن يشبه الواقع ولو في بعض وجوهه، فكيف كان الواقع وقت المنتدى؟
كان الدولار يواصل ارتفاعه، والإقليم مشتعل وتجري فيه ترتيبات بدون مصر، وصحفيو "متصدقش" رهن الحبس، رغم أنهم لا ينتجون محتوى بل يراقبون المحتوى الذي ينتجه الآخرون، ثم كان القبض على لينا عطا الله رئيس تحرير مدى مصر، وما جرى بعد ذلك في جلسة محاكمتها، وهي حدث مخيف في رمزيته، لم يثر الخوف على الصحافة فحسب، بل الخوف على القضاء أيضًا، لأن سلامة إجراءات التقاضي أساس من أسس استقلال القضاء.
لا ريجيس دوبريه ولا كل كتب الفكر تسعفنا في تفسير الغضب الرسمي من المواطن المتهم بالجحود؛ الجمهور الذي لا يستيقظ مبكرًا لأنه لا ينام أصلًا، ولحسن الحظ فالأدب موجود، ويفسر ما تعجز كتب الفكر عن تفسيره.
في رواية أوسكار وايلد صورة دوريان جراي نرى شابًا جميل الصورة كآلهة الإغريق، يرسم له صديقه الفنان بازيل هولورد لوحة بحجمه الطبيعي طابقت الأصل في الفتنة، وأحبها دوريان. عشق الفتى صورته كما يعشق نفسه، لكنها أربكته، ببساطة لأنه سيكبر بينما تبقى الرسمة في سن الثامنة عشرة، وتمنى أن يحدث العكس. وأمام هذا الارتباك أخذها من الفنان وحرمه من عرضها على الجمهور، وحفظها مغطاة في غرفة مهجورة لم يترك مفتاحها لأحد.
عند هذا الحد، الأمور في أمان، لكن الفتى الجميل الساذج المغوي لكل من يراه وقع فريسة للورد هنري وتون، الذي أقنعه بأن الجمال لا يحتاج إلى فضيلة، فهو فضيلة بحد ذاته، وأن لا نجاة من الغواية إلا بالاستسلام لها، أما مقاومتها فهي الطريق إلى ذبول الروح.
تحت وهم امتلاك الفضيلة يبدأ الفتى الجميل استسلامه لرغباته حتى تورط في سلسلة من الجرائم، دون أن تظهر علامات الآثام أو حتى علامات الزمن على وجهه، ليكتشف أن دعوته استجيبت، فظلت له نضارة ابن الثامنة عشرة، بينما كانت صورته تتغير، وعذاب ضميره يشتد، كان يصعد إلى الطابق الأخير بشمعة ومرآة في يده، ليقارن بين وجهه النضر واللوحة المشوهة، وفي النهاية تناول سكينًا ليطعن اللوحة، فسمع الخدم صوت ارتطام جسم ثقيل بالغرفة العلوية، هرعوا إلى فوق "فشاهدوا على الحائط صورة رائعة لسيدهم وقد سجَّلت شبابه وجماله الفذ، وعلى الأرض شاهدوا رجلًا ميتًا في ثياب السهرة وقد غارت في قلبه مدية. وكان الرجل مغضن الوجه، يابس البدن، كريه الملامح، ولم يتبينوا هويته إلا بعد أن فحصوا الخواتم التي يلبسها" (من ترجمة لويس عوض للرواية).
هناك تأويلات لا حصر لها لرواية أوسكار وايلد، وهناك العديد من الأسئلة التي تطرحها، حول الجمال واللذة والأخلاق، وحول فكرة الضمير والإحساس بالذنب الذي لا يسيطر عليه العقل البارد بعد أن زيَّن لصاحبه الجريمة، ومن بين ما تثيره الرواية سؤال: ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على ارتكاب الشر، بينما يظل محتفظًا بصورة جميلة عن نفسه؟
دوريان فرد، لكن عظمة الأدب في انفتاح دلالاته، وتستطيع الرواية أن تفسر سوء التفاهم القائم بين دولة دوريانية تؤمن بفضيلة جمالها المجرد وجمهور يعيش الواقع ويعانيه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.