تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
تصدر مصر الملوخية لإسرائيل

كانت فلافل وأصبحت ملوخية يا يوسف

منشور الأربعاء 26 آب/أغسطس 2026

نشرت وكالة "الأونروا" قبل أسبوعين، تقريرها الأخير عن الأوضاع في غزة. بعده بأيام نشرت المنصة تحقيقًا للزميل يوسف عقيل عن تصدير المنتجات الغذائية المصرية لإسرائيل. التزامن في قراءتهما في الأسبوع نفسه فارق، وكأنهما يرسمان جانبي مشهد واحد يكتمل، على الرغم من المنطقة المحتلة في غزة الفاصلة بين جانبيه؛ جنة إسرائيل على الأراضي المحتلة عام 1948، والخراب الشامل الذي كان اسمه قطاع غزة.

لا مجال لعرض تفاصيل التقرير والتحقيق، فهما متاحان لمن يريد التفاصيل. أتوقف عند مفارقة أن تقرير المنظمة الدولية لا يأتي بجديد سوى أرقام محدثة تُجدد شعور الغضب من العالم الذي لم يُوقف عملية إبادة تمارس أمامه منذ ثلاثة أعوام. على سبيل المثال؛ 70% من أطفال غزة معرضون للجوع. أرقام تضاف لما نعرفه جميعًا عن عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال الذين قُتلوا بأسلحة متنوعة: قنابل، صواريخ، رصاص قناصة، وجوع وعطش.

لكن تحقيق يوسف عقيل يأتي بالجديد، شعور عميق بالخجل يمسنا مباشرة كمصريين، ومعلومات يجهلها أغلبنا عن كيف تضاعفت الصادرات المصرية الغذائية لإسرائيل خلال الإبادة وتجويع الشعب الفلسطيني. أرقام تشكل صورة عامة تفوح منها رائحة الانحطاط الأخلاقي؛ مصر تزود بالغذاء موائد من يقتلون الفلسطينيين الجائعين.

إن خضنا في تفاصيل الصورة سنتأكد أنها نتيجة إرادة سياسية، وليس مبادرات فردية من رجال أعمال. فإن كان حجم الصادرات المصرية الغذائية لإسرائيل تضاعف مرة واحدة خلال أعوام الإبادة، فقد تضاعف سبع مرات عدد الشركات المصرية التي تصدر الطعام لإسرائيل، ونشطت بشكل غير مسبوق خطوط الشحن التي تربط الموانئ والمطارات المصرية بموانئ ومطارات دولة الاحتلال.

تخلق الأرقام أحيانًا، وبرغم برودتها، صورًا مفزعة. فبناءً على التحقيق يستحوذ ميناء العريش حاليًا على الحصة الأكبر من عمليات التصدير لإسرائيل، (30% منها). فيرتسم في الأذهان مسار قصير يشكل نصف دائرة محملة بالكثير من المعاني؛ على مسافة كيلومترات قليلة من الجوع والقتل والدمار في غزة، تتحرك سفن الشحن المحملة بالمواد الغذائية من العريش، تمر أمام بحر غزة، يستطيع أهلها الجوعى أن يروها من بعيد، لتصل لميناء أشدود، ومنه لموائد المستهلكين الذين يبيدونهم.

دولة صامتة تعلم مصلحة الجميع

يحكي يوسف عقيل عن الردود المقتضبة التي تلقتها المنصة من هيئات رسمية ومسؤولين في الشركات الكبرى والصغرى الموردة لمواد غذائية لإسرائيل. ويحكي أيضًا عن كيف أدى ضغط عمال الشحن والموانئ المصريين للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عام 2000، لإيقاف التعاون مع شركة إسرائيلية كانت مسؤولة عن نقل المستوطنين لفلسطين قبل 1948. لكن، بعد ثمانية أعوام من وقف عملها في مصر، أي في 2008، أمرت حكومة مبارك باستئناف التعاون معها.

هناك فرق أساسي بين كثير من دول العالم ومصر، لا ينحصر في غياب الحوار بين السلطة والمواطنين، فالحوار مستحيل بسبب طبيعة السلطة السياسية المصرية

هذه الواقعة القديمة تؤكد بديهية أن حجة السوق الحر الذي لا يتحكم فيه أحد، واهية، لا قيمة لها. فالسلطات السياسية والاقتصادية تضع القواعد والمحظورات في مجال العلاقات التجارية والاقتصادية، وترتبط دائمًا وأبدًا بالسياسة وبمصالحها في مجال العلاقات الدولية.

لا دليل أكبر على ذلك إلا سنوات الإبادة نفسها، وكيف جمدت دول بعينها مجالات تعاون مع دولة الإبادة. إضافة لسياسات ترامب ورسومه العقابية التي تسري على التبادل التجاري مع أكبر رأسمالية في العالم؛ الولايات المتحدة. فلا يمكن أن يذكّرُه أحد رجال الأعمال بشعار الرأسمالية الخالد "دعه يعمل دعه يمر يا ريس"، وبالتالي لا يملك أحد أن يقول للصحفي الذي حقق "إنها قواعد السوق الحر والمصالح يا يوسف"، وخاصة تحت سلطة ما بعد 3 يوليو 2013 التي لم تحترم أبدًا القواعد التقليدية للمنافسة والسوق الحر.

هناك فرق أساسي بين كثير من دول العالم ومصر، لا ينحصر في غياب الحوار بين السلطة والمواطنين فقط، فالحوار مستحيل بسبب طبيعة السلطة السياسية المصرية، ولكن لأنها تفضل الصمت وتترفع عن التحدث معنا. فخلال ثلاثة أعوام من الإبادة لم يخاطبنا ولو مرة واحدة مسؤول ليوضح موقف مصر وسياستها تجاه ما يحدث. أو حتى ليبرر لنا لماذا تستمر علاقات التعاون مع دولة الاحتلال والإبادة.

لنعُد قليلًا للوراء. إلى مراسل المنصة في غزة، الزميل سالم الريس، الذي كتب مقالات وشهادات شخصية عرفنا منها أنه تمكن من إخراج أبنائه إلى مصر، وبقي هو وزوجته بالقطاع. دُمر بيتهم، ويعانيان في أوقات كثيرة من الجوع حرفيًا، ولا تصل إليهما أو إلى غيرهما المنتجات الغذائية المصرية. وفي شهر رمضان الماضي كتب عمَّا يقوله أهل غزة عن مسلسل "صحاب الأرض". حين نُشر المقال على صفحة المنصة على فيسبوك علقت قارئة مصرية عليه بجملة "ما بيطمرش فيهم حاجة".

تقصد بـ"هم" الفلسطينيين ناكري الجميل، الذين لا يقدرون "التضحيات" المصرية من أجلهم. وبما أن أي شخص قرأ ولو قليلًا عن تاريخ منطقتنا سيعرف أن مصر لم تخض أي حرب من أجل عيون الفلسطينيين، بل من أجل بقائها، ومصالحها، وأمنها القومي، أو فُرضت الحروب عليها بسبب طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي، ستكون التضحية هنا: إنتاج شركة المتحدة، التابعة لأجهزة سيادية، مسلسلًا عن الإبادة في غزة، بطلته طبيبة مصرية، حقق إيرادات معقولة على حسب علمي. في الوقت نفسه الذي لا تستطيع مصر، أكبر بلدان المنطقة، إجبار دولة الاحتلال على إدخال فرق طبية مصرية ومساعدات للشعب الفلسطيني، أو الضغط لوقف الإبادة.

رئيس مهرجان القاهرة السينمائي حسين فهمي خلال افتتاح سوق القاهرة السينمائي ضمن فعاليات للمهرجان - 15 نوفمبر 2024

توقيت "التضحيات" لا يحتاج لذكاء خارق لإدراكه، تهدئة هذا الشعور العميق بالذنب عند المصريين لأنهم ودولتهم لا يفعلون شيئًا لإيقاف الإبادة. فيأتي المسلسل لإرضائنا وخداع مشاعرنا مؤقتًا، مثل "تضحيات" أخرى شبيهة، تحدث بقرار من "الأجهزة" للترضية؛ صلاة عيد أضحى بأعلام فلسطينية، أو إشهار الأعلام نفسها في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي وتخصيص مسابقة لأفلام المسافة صفر، أو تكريم هيام عباس في دورة المهرجان التالية، وتكريم الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله في معرض الكتاب الأخير، إلى آخره.

تتزامن كل هذه "التضحيات" مع تصدير الطعام للعدو الذي يُجَوِّع ويقتل الشعب الفلسطيني، و"ما تمرش فيه" سنوات طويلة من الصمت المصري على الإضرار بمصالحنا الاستراتيجية، وتهديد أمننا القومي، فيستمر في توسيع دوائر عدوانه، وتهديدنا في مناطق تشكل امتدادًا لأمننا القومي غربًا وجنوبًا.

لنتجاهل كل ذلك، ماذا لو دعت الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، النشطة والفاعلة بشكل غير مسبوق خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لمقاطعة الشركات المصرية المتعاونة مع دولة الاحتلال تجاريًا، ومقاطعة المنتجات التي يعيش من زراعتها الفلاحون المصريون الذين لا يعلمون ما تعلمه حكومتهم، أن ما يزرعونه يذهب للعدو؟ ماذا سنفعل؟ وما هو الموقف السياسي والأخلاقي الصحيح الذي على المواطن الفرد اتخاذه؟ لا داعي للإجابة.

"الشغف" بالملوخية المصرية

في عام 1976 دخلت قوات الردع، المسماة رسميًا بالعربية، وفعليًا بالسورية، لبنان لضرب قوات الثورة الفلسطينية واليسار اللبناني. سخر بعدها زياد رحباني من الوضع قائلًا "سوريا بتبعت لك ردع.. ومصر بتبعت فلافل.. اختلط الحابل بالنابل".

إن كانت الفلافل رمزية لبداية تصدع النظام الإقليمي العربي بغياب مصر، أصبحت الملوخية الآن دلالة على أن هذا النظام مات ودُفن قبل أعوام طويلة

لم ترسل مصر فلافل للبنان خلال حربه الأهلية. كان استدعاء الفلافل في مسرحية ساخرة تعبيرًا عن بداية التغيرات الجذرية في النظام الإقليمي العربي، وغياب مصر، وانكفائها على ذاتها، فيما يفتح السادات خطوط الاتصال السرية بدولة العدو، وإخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي التي لا تملك الخروج منها أبدًا بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح.

لكنها أرسلت ملوخية لدولة الاحتلال فيما تبيد الشعب الفلسطيني. وهو ما نبه يوسف عقيل ليبدأ تحقيقه بعد أن سأل رجل إسرائيلي على جروب للطبخ عن أفضل طريقة لعمل الملوخية المصرية، مرفقًا سؤاله بصورة لعبوتين من الملوخية المصرية المجمدة. وإن كانت الفلافل رمزية لبداية تصدع النظام الإقليمي العربي بغياب مصر، أصبحت الملوخية حاليًا دلالة على أن هذا النظام مات ودُفن قبل أعوام طويلة.

إنها كذلك إعلان رمزي لهزيمتنا أمام إسرائيل في معركة عزلها، وتحويلها لدولة منبوذة بعد 7 أكتوبر، في الفرصة الأهم منذ 1948. فبعد أن كانت تتعرض للنبذ العالمي تدريجيًا، استعادت زمام المبادرة بتعاون أنظمتنا بأشكال مختلفة، تعاونًا عسكريًا غير مسبوق مع الإمارات، أو اعترافًا رسميًا لبنانيًا بها وتبريرًا لجرائمها، أو أن نشبع "شغف" مستوطنيها بالملوخية المصرية، فيما تقوم بأكبر عملية تدمير وإبادة وتجويع في تاريخ منطقتنا، وتغير ملامحها بالكامل لصالحها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.