تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
حنظلة الطفل مطلًا على ميدان التحرير

يناير وGen Z| عن ثورة لم أرَ سوى توابعها

منشور الاثنين 26 كانون الثاني/يناير 2026

ليست لدي أي ذكريات عن 25 يناير؛ فقد كنتُ حينها رضيعًا لم يتجاوز عمري عشرة أشهر. كل ما أملكه صور فوتوغرافية لي في ميدان التحرير وقت الثورة، إلى جانب الفيديوهات والأفلام الوثائقية وحكايات أهلي وغيرهم ممن عاشوا تلك الأيام.

أثناء طفولتي تحاشى والداي الحديث في السياسة معي داخل البيت رغم غرقهما فيها. فهمت لاحقًا كم كان صعبًا عليهما أن يشرحا لطفل بين الثالثة والخامسة من عمره لماذا فقد أصدقاء العائلة عيونهم برصاص "البوليس الوِحش/bad cops"، أو أن الأصدقاء الشجعان المظلومين لم يخرجوا من السجون لأن حظهم أوقعهم في بعض "القضاة الوِحشين"، في وقتٍ كانا يحاولان فيه إعطائي شعورًا بالأمان بأن البلد فيها بوليس حلو وقضاة نزيهون. كان مهمًا لهما أن أشعر أن هناك دولة وبنية أستطيع أن أكبر فيها حرًّا وآمنًا كما حلما، ولأنها لم تكن موجودة، آثرا الصمت.

أما في الذكرى السنوية، فأذكر أنه قبل أن تنضم أسرتنا لحملة المقاطعة في 2023، كنا نتناول وجبة كنتاكي في 25 يناير من كل عام؛ دون التعمق في تفسير ما تُخلده تلك الذكرى.

باستثناء عامٍ واحد، غلبت العاطفة فيه ماما تمامًا، فجلست تشاهد الفيلم الوثائقي "الثورة.. خبر" وتركتني أشاهده معها. وعبر لقطاته العنيفة والمؤثرة والغنية، التي صوّرها وظهر فيها أشخاص أعرفهم، أطل عالم جديد ومختلف عليّ؛ فجأة انقلبت القصة؛ فبدلًا من التنكيل المعتاد للشرطة بالمدنيين، كان المصريون الكادحون هم الأقوياء، في ما بدا وكأنه معركة ملحمية.

عندما كبرت قليلًا، بدأت أتعرف على أحداث 2011 عبر الإنترنت؛ أتابع نقاشات المصريين السياسية على تويتر أو أشاهد فيديوهات قديمة على يوتيوب. جعل هذا علاقتي بالسياسة المصرية فاترة، ومنزوعة السياق بسبب انفصالي عنها في الحياة. منذ عامين تقريبًا، ناقشتُ 25 يناير مجددًا مع أمي، واتهمتها وقتها بأنها "انهزامية" حين قالت لي "جيلنا عمل ثورته واتهرس، والجيل الجديد عايز ثورة تانية".

قوة الثورة الكامنة

التحقتُ بمدرسة خاصة، وهناك نما شغفي بالتاريخ المعاصر، وهو ما منحني اهتمامًا بالسياسة حتى قبل أن أدرك تمامًا طبيعة الأوضاع في بلدٍ كنتُ معزولًا عن واقعه. لم يتطرق المنهج البريطاني لمصر أبدًا، أما منهج التاريخ "بتاع الوزارة" فكان بالنسبة لي، حتى وأنا ما زلت مراهقًا، مجرد "بروباجاندا" فجة لا تخطئها عين.

ولأنني لم أشهد بنفسي 25 يناير، فإن صورة الإنسان المصري العادي يعبر عن نفسه بكل تلك الراديكالية، رغم ما شاهدته من فيديوهات، لا تستقر تمامًا في مخيلتي؛ فكل ما عرفته من الثورة هو توابعها.

ربما يمكنني تلخيص أفكاري، المبنية على القصص والمشاهد المتناثرة، في أنني ببساطة أنظر إلى ثورة 2011 بوصفها محاولة شجاعة، مبهرة وذات دلالة؛ انتفاضة صاخبة وعفوية خرجت من رحم سنوات من الاحباط السياسي تحت وطأة نظام متآكل وأوضاع مادية متدهورة.

لكن هنا مكمن المشكلة: العفوية سمحت للحراك بأن يشمل الجميع، لكنها تركته بلا مبادئ ناظمة أو تنظيم؛ توحد الجميع حول مطلب واحد، لكنهم فقدوا قوتهم بمجرد تجاوزه.

كلما استمعت إلى حكايات الكبار، هناك سؤال واحد يُستبعد دائمًا: ماذا حدث بعد ذلك؟ هؤلاء الذين كانوا في ميدان التحرير لحظة إعلان تنحي مبارك، ماذا فعلوا بعد الاحتفال؟ غالبًا ما تكون الإجابة ببساطة "عادوا إلى بيوتهم". كان هناك تصور بأن الجزء الأصعب انتهى، وأن المعركة حُسمت.

لم يكن هذا الانسحاب جبنًا، بل كان انعكاسًا لغياب البنية التحتية الثورية. لم تكن هناك مطالب موحدة لما بعد سقوط مبارك؛ كان الهدف المشترك الوحيد هو رحيل النظام نفسه.

هذا لا يعني أن الشعب فشل في إفراز قادة، بل أفرز كثيرين، يحمل كل منهم أفكارًا مختلفة وغالبًا متضاربة. الفراغ الذي خلفته الثورة ملأته النخب السياسية والجيش بسرعة مذهلة؛ فالجيش، واقعيًا، لم يكن ليصمد أمام قوة الشعب في ذروة الثورة، لكنه تفوق عليهم "تنظيميًا" بمجرد انحسار لحظة الحشد الشعبي. أرى في ذلك الفشل الجوهري لـ 2011.

ولكن ثمة خلاصة خرجت بها من تلك الروايات جعلتني أقل إحباطًا سياسيًا؛ وهي أن المصريين المحافظين، وحتى "الرجعيين اجتماعيًا" منهم، كانوا مستعدين للانخراط في مواجهة شاملة مع السلطة. أصبحت أرى بوضوح أن الراديكالية السياسية ليست مرادفًا للتقدمية الاجتماعية.

وبالنظر نحو المستقبل، أؤمن أن القوة الكامنة وراء 25 يناير لا بد وأن تنفجر مجددًا، ما لم يحدث تغيير مادي حقيقي في هذا البلد. فأنظمة كهذا النظام، وما سبقه، تُولد معارضتها حتمًا، والتاريخ يخبرنا أن مثل تلك الأنظمة لا تدوم للأبد. حتمية التغيير هذه تمثل خطرًا وموردًا في نفس الوقت: عندما تعود الطاقة الثورية للظهور، يجب أن يصاحبها "توجيه ثوري".

وهذا التوجيه لا يمكن أن ينبثق عفويًا في لحظة الأزمة؛ بل يجب صياغته قبلها بوقت طويل. فالثقافة الثورية لا تقتصر على الشعارات أو الصدام مع الدولة، بل هي ذلك العمل الشاق والبطيء لجعل التعليم، والقراءة، والاشتباك الفكري سماتٍ أصيلةً للطبقة الكادحة، وليست حكرًا على النخب.

هذا يعني بناء مساحات يكون فيها النقاش السياسي فعلًا اعتياديًا، مساحات لا تُعتبر فيها القراءة والمساجلة رفاهية، مساحات يمتلك فيها الناس المفردات التي تُمكّنهم من فهم أوضاعهم بدلاً من مجرد التكيف معها. بدون هذه الأرضية الثقافية، تظل لحظات الانتفاض مهددة بالانهيار والعودة إلى مربع الصمت بمجرد أن يكشر القمع عن أنيابه.

وبنفس القدر من الأهمية، لا يمكن للتعبير السياسي أن يسبق الكرامة. فالذين يعيشون تحت وطأة العوز واليأس نادرًا ما يُمنحون الوقت أو الأمان أو الثقة اللازمة لصياغة مطالب سياسية واضحة. لذا، فإن خلق مساحات الأمان الاجتماعية ليس "تشتيتًا" عن السياسة الثورية، بل شرط مُسبق لها؛ فالكرامة هي ما يسمح للناس برؤية أنفسهم فاعلين سياسيين قادرين على صياغة المستقبل، لا مجرد ضحايا للظروف.

إن المهمة التي تواجه الثوار اليوم، لضمان أن الحراك القادم سيُناهض الهيمنة بدلاً من مجرد إعادة ترتيب هرمية السلطة، هي مهمة جسيمة. مصر، أم الدنيا، يمكن تخيلها كـ "طبق بتري" الذي يستخدم في المعامل، لكننا فيه سنزرع ثقافة إنسانية بدلاً من المستعمرات البكتيرية. علينا ألّا نسأل كيف "نُسقط النظام"، بل كيف نحرر الإنسان المصري. ما نحتاجه هو بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين، وتدريب الناس على ما يجب فعله في اليوم التالي للنصر.

كان والداي من الثوار، وآمل أن نكون حين تأتي اللحظة القادمة، أكثر استعدادًا لإكمال الطريق حتى نهايته.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.