يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
قال الكبار بثقة إننا الجيل الذي سيرى النور.. ثم تحول كل شيء إلى النقيض
عشية الثامن والعشرين من يناير 2011، كنت في بيتنا بمدينة المنامة عاصمة البحرين. توقف والدي أخيرًا عن متابعة الأخبار لليوم الثالث على التوالي، ثم شغَّل فيلمًا كوميديًا لأشاهده أنا وأختي، وذهب للنوم. جلست أمام الفيلم بينما ظل عقلي عالقًا بما شاهدته قبلها في الأخبار، تتقلب مشاعري بين القلق والخوف والترقب.
كان عمرى 8 سنوات، أذكر أنني ظللت مستيقظةً حتى الثانية صباحًا للمرة الأولى في حياتي. دعوت الله أن يحفظ بلدي وأهلي حتى أعود إليهم، ثم ذهبت للنوم لا يفارقني مشهدٌ لمتظاهر شاب تسحله قوات الأمن على أرض الشارع. ما الذي حدث له، أين هو الآن؟ ماذا سيحدث غدًا؟ المذيع قال إن غدًا يومٌ حاسمٌ في مسار الثورة التي بدأت منذ يومين فقط.. غدًا سيكون يوم جمعة الغضب.
ثورتنا
اعتدت الجلوس إلى جانب والدي وهو يتابع الأخبار بينما ألعب لعبة تلبيس العرائس على الكمبيوتر في الغرفة نفسها، فكانت شاشة التليفزيون نافذتي على مصر خلال سنوات إقامتنا في البحرين. اعتدت سماع قصص عن الفقر والظلم وغياب العدالة، كما تابعت حكايات كثيرة وتعاطفت معها، خاصة ما حدث للشاب خالد سعيد الذي قتلته الشرطة تحت التعذيب أثناء القبض عليه.
سمعت أيضًا عمّا حدث في تونس حين نجح الشعب في إسقاط الرئيس؛ لم أكن أعرف أن إسقاط الرؤساء ممكنٌ، لكن والدي قال حينها إنه قد يحدث في مصر. ربما لهذه الأسباب فهمت من أين جاء الغضب؛ فمن تحمّل كل هذا من الطبيعي أن يغضب.
شعرت بالألم للشهداء والقلق من المستقبل، وبالغضب كلما سمعت أحدهم يتحدث عن الثورة بسوء. لم أكن أملك حينها نظرة سياسية ثاقبة تمكنني من الحكم، لكن كان هناك شيء أكبر من ثقتي بكلام والدي أو ما أسمعه من مذيعي الجزيرة، كان هناك شيء ما تلقائي جعلني أؤمن بالثورة.
كانت الثورة نافذة جديدة رأيت منها مصر وشكلت وعيي السياسي. كما كانت بداية حلم وُلد بداخلي ولم يفارقني، رغم أنه لم يتحقق بعد؛ أن أصبح مذيعة. عشقت مجال الإعلام من كثرة ما تعلقت بالأخبار والمذيعين. تمنيت لو كنتُ مراسلةً في قلب الأحداث، حسدت العاملين في القنوات لأنهم يعرفون ما يحدث قبلنا، ولأن الفرصة أتيحت لهم لأن يكونوا سببًا في توثيق حدث عظيم كهذا.
بعد أربعة شهور عُدنا إلى مصر الجديدة، شرق القاهرة، ولحقت بشيء من فرحة الثورة؛ رأيت صور الشهداء تتصدر الشوارع، وأخذني والدي في جولة وسط البلد حيث دارت كل المعارك، وشاركت زملائي في مدرستي الجديدة الهتاف "إرفع راسك فوق أنت مصري"، كنت وقتها في الصف الرابع، سمعت الكبار يقولون بثقة إننا الجيل الذي سيرى النور، ثم شاهدت كل شيء يتحول ببطء إلى النقيض.
لم أفهم ماذا حدث لمصر أو للمصريين، لكنني أدركت أن ثورة يناير كانت آخر ما أجمعنا عليه كشعب. لم أرنا بعدها متوافقين ولو قليلًا على أي شيء. كانت يناير أيضًا المرة الوحيدة التي رأيت فيها المصريين أقوياء. سمعت كثيرًا عن بطولاتهم عبر التاريخ والحروب والثورات، أما يناير فكانت المرة الوحيدة التي رأيت فيها الإنسان المصري العادي في صورة بطل، دون أن يحمل سلاحًا أو يملك سلطة؛ كان بطلًا لأنه يملك فكرة ورغبة في التغيير.
حلمٌ تبدد
مرَّت يناير ومعها الأيام، ومن يومها لم أر المصريين متحدين أو أقوياء. تحولت الوحدة إلى فردانية، فأصبحت النجاة الفردية هي الأولوية. تبدلت القوة بالخوف، والأمل بالاستسلام، حتى أصبح اليأس أقوى من الحب. وبعد أن كان الأمل في مستقبل أفضل كافيًا ليجعل الإنسان يغامر بحياته، أصبح اليأس من المستقبل والوطن كافيًا ليجعل الهجرة حلمه الأول.
تحول الذين كانوا يريدون تغيير الوطن للأفضل إلى تبرير الواقع وغض البصر عن الظلم. أصبحت الرغبة في التغيير جريمةً يُتهم صاحبها بالخيانة والسلبية والدونية، ويُؤخذ إلى نيابة أمن الدولة. أصبحت البطولة والتضامن حقًا للسلطة دون غيرها، فأصبح البطل في مصر هو من يحمل سلاحًا رسميًا أو منصبًا، هؤلاء فقط يمجدهم الإعلام ويتغنى بهم.
رأيت من تمسّك بحلم يناير وحمل مبادئها يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، ورأيت البقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيارًا سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرتهم على الاستمرار، أو كانت العودة من منتصف الطريق أسهل عليهم من استكماله، أو ربما الحلم هو من خانهم وليس هم من خانوه.
لا ألومهم، لكنني تمنيت لو كان الواقع أرحم، والنفَس أطول. تمنيت لو انتظرونا قليلًا أو تركوا لنا راية ما نحملها.
تغيّرت نظرة المصريين ليناير، وتغيَّرتُ وكبرتُ أنا. ماتت أحلامي التي ولدت في مصر يناير لأني لا أجد لها مكانًا في الجمهورية الجديدة. كيف يمكن أن أصبح إعلامية تحمل رسالة الحرية والوطن والأمل وأنا لا أملك الحق في الحرية ولا الوطن ولا الأمل؟ تغيّر كذلك الشعب الذي أردت أن أخاطبه، والوطن الذي أردت تمثيله.
لا أعلم كيف تسرب الضعف والسلبية والرداءة من السياسة إلى كل شيء، وكيف حين تراجعت جودة الحياة تراجعت معها قيمة الإنسان. كيف لشعب قرر مصيره يومًا وأسقط أحد أكثر الأنظمة ديكتاتورية أن ينشغل اليوم فقط بقوت يومه، وإن وجد استراحة من الركض وراء اللقمة يكون نضاله حول معارك جانبية وفضائح عابرة، بعدما أُغلقت تلك المساحات التي فتحها قبل 15 سنة.
لطالما قلت لنفسي "ياريتني كنت كبيرة أيام الثورة"، فهي أكثر لحظة تاريخية تمنيت أن أعيشها. تمنيت أن أكبر في مصر يناير بدلًا من البحرين، عدت لمصر في سن الثامنة، ولم أغادرها مجددًا ولكني لم أجدها وأنا أكبر فيها، حتى أصبحت في سن الثالثة والعشرين. ما زلت أحمل الحلم والغضب والرغبة في الحرية والعدالة والتغيير؛ أحمل حلمًا وُلد أمامي ولم يكتمل، رأيته على الشاشة ولم أتمكن من عيشه أو حتى لمسه لكنني أنتمي إليه.
ربما لا نملك يناير، لكننا نحمل أثرها، وهذا وحده ما تبقى لجيل شاهد الثورة ولم يُسمح له بأن يرثها.
هذه القصة من ملف يناير وGen Z| تكلم حتى أراك
يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا
من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.
يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة
على جيل يناير الآن أن يكتب وأن يعترف بأخطائه ليمنحنا أرضًا أكثر صلابة. عليه أن يمنحنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث.
يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟
يبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".
يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.
يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟
يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال
نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.
يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
رأيت من تمسك بحلم يناير يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، والبقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيار سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرته.
يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع
عشنا معنى الحرية وتشكلت ذواتنا حوله. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.