تصميم: سيف الدين أحمد - المنصة، 2026
واحدة من المظاهرات المليونية التي احتضنها ميدان التحرير، 2011

يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم

منشور الثلاثاء 27 كانون الثاني/يناير 2026

عندما جلستُ للكتابة عمّا تعنيه الثورة المصرية بالنسبة لي اكتشفتُ أنني أحمل شظايا، أفكارًا مبعثرة، مشاعر متضاربة، صورًا، لكني لم أتوقف يومًا لأصوغها في إحساس واضح، ناهيك عن رأي. ولهذا، فكتابة هذا المقال محاولة شخصية لشق طريقي عبر تلك الفوضى العاطفية.

لم تدخل السياسة بيتنا مع الثورة؛ بل كانت هناك دائمًا، فوالداي كانا ناشطين ضمن صفوف اليسار. ومع ذلك، فقبل 2011 لم أكن أعرف عن السياسة سوى أن هناك عطبًا ما أصاب البلد، وأن هذا الشيء يجثم على قلب والديّ، خاصة أبي. 

الحياة مع أبوين ناشطين سياسيًا أمرٌ مربك. أشعر بحماسهما، لهفتهما، إرهاقهما، لكني لا أدري نحو ماذا؟ كان من الواضح أن لديهما غاية، لكنها بدت مُجردة وبعيدة، ككلمة أسمعها ولا أفهمها.

أذكر أنه في المدرسة قبل الثورة كانت السياسة في كل مكان؛ تنساب من أحاديث البيوت وشاشات التليفزيون إلى الفصول، يحملها بلا وعي أطفال لا يفهمونها تمامًا لكنهم يرددونها. في صفي، كان هناك أبناء الإخوان المسلمين وأبناء مؤيدي النظام. بدا وكأن هاتين الجبهتين فقط هما الموجودتان، لأنهما الوحيدتان المعروضتان دائمًا في وسائل الإعلام.

لم يفهم الأطفال بطبيعة الحال ما يُقال، لكنهم حفظوا بعض الكلمات والأسماء والعبارات التي تجعلهم يبدون واثقين من أنفسهم حين يتحدثون. أما أنا فكان يلفني الصمت عندما يأتي دوري لشرح ما يعتقده والداي، فكيف لطفلة في الرابعة أن تشرح الاشتراكية وهي نفسها لا تفهمها؟ شعرتُ بالاغتراب. كان لكل الأطفال مكان مفهوم، أما أنا فوقفت أراقب في صمت.

ثم جاءت الثورة وأنا بعد في الرابعة..

فجأة أصبح الجميع في الشوارع. لا أذكر كيف حدث ذلك، لكني أتذكر أنه حدث، وأن العالم بدا أعلى صوتًا وأكثر إشراقًا وحيوية. كان أبي سعيدًا سعادةً حقيقيةً، وهو أمر نادر حينها. أما أمي فكانت تعمل طوال الوقت، وقيل لي إن عملها مراسلةً لقناة الجزيرة يُعرضها للخطر، لكني لم أهتم. الحقيقة أن هذه كانت أفضل أيامنا كأسرة. 

جمعتنا الثورة بطرق لم أفهمها وقتها ولكنى شعرت بعمقها. أنا وأختي نهتف في المنزل ونصنع اللافتات، أبي يحملني على كتفيه في الشوارع بحماس ويتباهى بي، كأني صرت جزءًا من شيء ما مقدس، أما أمي فكانت حاضرةً معنا بكل الطرق الممكنة، تحتضننا جميعًا بينما تعيش مع خوفها في هدوء.

لم أكن أفهم ما يحدث حولي، ولم أرغب في الفهم. كنت أشعر بالسعادة وبالأمان وذلك كافٍ، إلا أن هذا لم يدم طويلًا.

فجأة هُزمنا! لم أعرف معنى الكلمة وقتها. كل ما أدركته هو أن "الهزيمة" غيّرت كل شيء. سقط أبي في اكتئاب حاد، لم يعد يحملني على كتفيه، لم نعد في الشارع، لم نعد نتحدث تقريبًا. أصبح الصمت ضيفًا ثقيلًا ومزعجًا في بيتنا. أما أمي فكانت تعيش في توتر دائم، وتحاول طوال الوقت أن تخفيه عنّا، وهو ما زاد الأمر سوءًا بصورة ما.

أذكر قراري وقتها، وأنا في تلك السن، ألا أزعجهما لأن بهما ما يكفيهما، حتى وأنا لا أعلم ما بهما. 

لا ألومهما، فالآن أفهم أن تلك الهزيمة كانت من أسوأ اللحظات التى مرت على مصر في تاريخها الحديث. لكني وقتها كنت مجرد طفلة.

في المدرسة، وفي كل مكان آخر، كان الناس يقولون إننا "انتصرنا"، أما في البيت فكان من الضروري أن نعرف أننا "خسرنا". لم أستوعب الروايتين، فحفظت الكلمات ورددتها، تعلمت ما علي قوله لتجنب الصدام مع أي طرف، دون فهم.

كل ما عرفته هو أن الأمور لن تعود لما كانت عليه وأن الثورة مزّقت أسرتي تمامًا

تحولت المدرسة إلى كابوس. فالاشتراكيون الذين لم يراهم أحدٌ قبل الثورة أصبحوا مرئيين ومكروهين. صورتهم البروباجاندا كأشخاص غير عقلانيين، خطرين، يعانون الوهم. لم أعرف حتى وقتها ما هي الاشتراكية. كان كل ما أعرفه هو أن أشخاصًا مثل أبي يرقصون ويهتفون في الشوارع وأن الحكومة لم تحب ذلك، ولسبب ما، كان ذلك كافيًا لتبرير كل ما فعلته السلطة بعد ذلك.

في المدرسة كان الأطفال يتحدثون بلا انقطاع عن السيسي ومرسي والبرادعي. كل بيت اختار معسكرًا ما، إلا بيتنا. أذكر حين هرعت إلى أمي في يوم من الأيام وسألتها "ماما إحنا مع مرسي ولا مع السيسي؟" ردت بهدوء "إحنا لا مع دا ولا مع دا"، حيرتني الإجابة أكثر.

في المدرسة، كان كل طفل مرآةً لمشاعر وأفكار والديه، يلتقط شظايا من النقاشات والشاشات، ثم يسكبها في كلامه حقائق مطلقة. أما أنا فكان المصدر الوحيد لفهمي ما يحدث هو الحزن الساكن في عيون أمي وأبي.

ثم كانت مذبحة رابعة التى قُتل فيها المئات. بعدها اختفت الأصوات كلها. لم يعد الصمت اختيارًا بل صار جبرًا.

توقف أبي عن العمل، فالاستمرار في الصحافة وقتها كان يعني أن تبيع مبادئك أو على الأقل أن تسكت عن الحق، وهو ما رفضه. كنت أرى حسرة القلب تكبر داخله بوضوح، حتى لو لم أفهم من أين جاءت. كل ما عرفته هو أن الأمور لن تعود لما كانت عليه، وأن الثورة مزّقت أسرتي تمامًا كما فعلت مع غيرنا.

أثر الهزيمة

اضطر أبي لسلامته الشخصية والنفسية أن يرحل عن مصر. كنت وقتها في الثامنة من عمري. كان الناس يسألونني لماذا سافر؟ أهي رحلة عمل؟ فرصة أفضل؟ أتمنى الآن لو أعود بالزمن لأصرخ في وجوههم، "بل رحل بسبب القمع والظلم". لكني، وأنا في الثامنة، لم أكن أعرف أن لهذه الكلمات وجودًا أصلًا. 

في اللحظة التي غادرنا فيها أبي، وُلدت في قلبي كراهيةٌ لمصر. كنت أعرف كم كان يحب هذا الوطن، وكم كان رقيقًا وصادقًا. وعندما رأيته يرحل لأن قلبه كان أنقى مما ينبغي، وصوته أعلى مما يُحتمل، تحطم شيئًا ما بداخلي.

أصبحت المدرسة أكثر قسوة، فالأطفال لا يفهمون إحساسي الخفي بالرعب وأنا أجهل ما يحمله المستقبل لأسرتي، لا يفهمون الألم الجاثم على صدري الذي يتجدد في كل مرة يسألني أحدهم ما إذا كنت سأسافر أنا أيضًا مثل أبي. أسئلة بسيطة يتبادلها الأطفال عادةً أصبحت غير محتملة لأني لا أملك أي إجابات.  

صار كل شيء ضبابيًا، تجنبت السياسة تمامًا وامتنعت عن الحديث عن أبي حتى بلغت الخامسة عشرة. حينها أدركت أن الظلم يتجاوز حدود السياسة، وأني مختلفة اجتماعيًا وفكريًا وجوهريًا. أدركت أني امرأة تسكنها روح حرة في عالم يُعاقب على هذه الهوية والحرية، ودفعني هذا الإدراك لمحاولة الفهم بشكل أعمق. 

إنهم لا يصدقوننا إلا حين ننكسر تمامًا!

بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، ظللت أتجنب الثورة ذاتها، لكني بدأت أتعرف على الفساد، ليس في مصر فقط، بل في العالم أجمع. كان الأمر ثقيلًا على روحي لكنه أشعل داخلي رفضًا للسكون. عندها انكشف لي الأمر، لم يكن والداي يناضلان "سياسيًا" فحسب، بل كان نضالهما من أجل كرامة الإنسان، من أجل العدالة. بالتالي لم تكن خسارتهما مجرد هزيمة لحلم سياسي، بل كانت هزيمة للإنسانية ذاتها.

من السادسة عشرة إلى الثامنة عشرة. بدأت أتحدث مع والديّ بصراحة أكبر وفهمت معنى القيم التي دافعا عنها، فأدركت أنني أقف تمامًا حيث يقفان.

خلال تلك السنوات، فتحت زيارتي لأبي في كندا جراحًا ظننتها التأمت. رؤية ألمه عن قرب، ذلك الألم الخام الذي لم يلتئم، جعلت كل شيء حقيقيًا مرة أخرى.

أتذكر كيف كنت أتحدث عن الثورة بحذر للناس هناك، وأراقب عجزهم عن إدراك عمق الفساد والظلم الذي ينخُر في "بلاد الأهرامات" حتى اليوم. وفي الوقت نفسه، كانت فلسطين دائمًا في قلبي وملء صوتي، حتى قبل حرب الإبادة الجماعية في غزة. رؤية العالم وهو يعترف بالظلم فقط عندما يدفع المظلوم حياته ثمنًا، كانت تجعل الدم يغلي في عروقي، فيعود الألم. إنهم لا يصدقوننا إلا حين ننكسر تمامًا! 

أنا الآن في التاسعة عشرة، وعندما تأتي سيرة الثورة على لسان أحدهم أرفع رأسي عاليًا في فخر. أخيرًا أستطيع أن أفهم الألم الذي تسبب في اندلاعها، وأن أستوعب كل ما حدث.. أنا فخورة بوالديّ لأنهما كانا جزءًا منها. 

اليوم، عندما أنظر في وجوه المصريين من حولي أرى الإحباط والغضب، وفوق كل شيء، الفقر واليأس، فأدرك أن الثورة لم تمنح أملًا كاذبًا لوالديّ فحسب، بل للجميع. وأنه إذا تكررت يناير 2011 مرة أخرى، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي وهذا الشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي.. لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.

هذه القصة من ملف  يناير وGen Z| تكلم حتى أراك


يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

مروان محرز _  من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.

يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم

ريم عبدالعزبز_  صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.

يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين

نهى عبير _  الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟

يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال

نهال سلامة_  نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.

يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم

سارة الصحاري_  إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.