تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
شاب يعترض مدرعة بجسده، من مشاهد ثورة يناير 2011

يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

منشور الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير 2026

ليست يناير فقط الثورة التي أسقطت نظامًا ظلم شعبه لعقود، بل الحدث الذي ترك أثرًا بعيد المدى على وعي الأجيال اللاحقة، خاصة جيلي الذي وُلد أغلب أفراده في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. لم نكن في قلب الفعل الثوري، لكن وعينا السياسي والاجتماعي تكوَّن على أنقاض آمال الثورة وإخفاقاتها، لذا نظرتنا للثورة تختلف جذريًا عن نظرة الجيل الذي صنعها وعاشها.

وعي ما بعد الصدمة

نشأنا في مناخ سياسي مضطرب، اتسم بالاستقطاب الحاد وتغيُّر الخطابات وتناقُض الروايات حول الماضي القريب. أورثنا هذا السياق وعيًا قلقًا. فالسياسة، كما تبدو في نظر الكثيرين منا، لم تعد مجالًا لتحقيق الطموحات الجماعية، بل مصدر للمخاطر والخسائر.

يعتبر كثيرٌ من أبناء جيلي أن ثورة يناير "فشلت"؛ حكمٌ لا يصدر دائمًا من موقف عدائي بل من قراءة عملية للنتائج من واقع يومنا. الفشل هنا لا يعني أن المطالب كانت خاطئة، إنما الخطأ في مسار تحقيق تلك المطالب العادلة وافتقار الحراك لرؤية سياسية واضحة لإدارة ما بعد سقوط النظام.

أعتقد أن الثورة افتقرت إلى القيادة الواضحة والرؤية السياسية المتكاملة، وإلى الثقافة والوعي، وأن هذا هو ما جعلها عرضةً للاختطاف من قبل قوى أكثر تنظيمًا وأشد انضباطًا. كما أسهم الصراع بين التيارات السياسية وعدم الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة المرحلة الانتقالية والطمع في كرسي الحكم والمناصب، والسعي وراء الزعامة والشهرة والمزايدات الشخصية، في إهدار الزخم الشعبي وأدخل الثورة في خبر كان.

ولكن حتى بين أكثر أبناء جيلي نقدًا لثورة يناير، يظل كسر حاجز الخوف أحد أهم إنجازاتها التي لا يمكن إنكارها، الثورة لم تُسقط نظامًا سياسيًّا فحسب، بل هدمت فكرة "استحالة التغيير" الراسخة.

هذا الإرث المعنوي مهم لجيلي الذي نشأ في بيئة سياسية مغلقة نسبيًا، لكنه في الوقت نفسه واعٍ بأن هذا الإنجاز الرمزي لم يُستكمل بمسار مؤسسي يحميه أو يبني عليه.

ولذلك، فإن الإعجاب بلحظة الجرأة الأولى لا يمنع الشعور بالحسرة على ما آلت إليه الأمور. مع مرور السنوات، ارتبط اسم الثورة في وعينا بالاضطراب وعدم الاستقرار. فبدلًا من أن تكون يناير بدايةً لمسار تنموي أو ديمقراطي واضح، تحولت في نظر الكثيرين منّا إلى نقطة انكسار.

نحن لم نر تحسنًا اقتصاديًا ملموسًا نتيجة الثورة، بل على العكس، ارتفعت الأسعار وتراجعت فرص العمل وأصبحت المعيشة أصعب. وهنا نشأ التناقض الأساسي في رؤيتنا: كيف تفضي الثورة من أجل العيش والعدالة الاجتماعية إلى واقع اقتصادي أشد قسوة؟

بالنسبة لجيلي، ليست ذكرى ثورة يناير مقدسةً، ولا هي بالمقابل خطيئة تاريخية، إنها درس معقد؛ تجربة تحمل قيمًا نبيلة، كانت صادقة في دوافعها لكن ساذجة في أدواتها، قوية في انفجارها وضعيفة في إدارة ما تلا الانفجار. ومن هنا، فإن استدعاء يناير اليوم لا يكون بدافع الحنين بل الفهم، كيف يمكن تجنب تكرار الأخطاء، وكيف يمكننا التغيير دون دفع المجتمع إلى فوضى طويلة الأمد؟

خيار الانسحاب

رغم كل النقد، لم تُمح يناير من خيال جيلي. بالنسبة لي هي حاضرة كإمكانية مؤجلة، ودليل على أن الصمت ليس قدَرًا أبديًا. حاضرة أيضًا كتحذير دائم من الثمن الباهظ لأي مواجهة غير محسوبة. يجعل هذا التناقض جيلي أكثر ميلًا للتغيير الفردي والاجتماعي التدريجي عوضًا عن الانخراط في مشاريع سياسية كبرى. فبدلًا من الثورة الشاملة يفضّل كثيرون منَّا الهجرة أو محاولات النجاة الفردية.

من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة، وفي فرصة لإصلاح الحياة السياسية أو الوضع القائم أو حتى "انفراجه".

الهجرة هنا ليست رفضًا للوطن أو كرهًا فيه، بل انسحاب من واقع نشعر بعدم قدرتنا على التأثير فيه. إنها تعبير عن علاقة منتهية مع السياسة، تُترجم إلى بحث عن مساحات أوسع للحياة والكرامة بعيدًا عن الواقع غير المتوازن في الوطن.

جعلتنا يناير أكثر واقعية وأقل اندفاعًا. أصبحنا ندرك تعقيد المشهد السياسي ونفهم أن التغيير لا يحدث بالهتافات، فهي مجرد خطوة أولى يجب أن تكون مصحوبة بالواقعية والوعي. نلجأ للسوشيال ميديا كمساحة أقل تكلفة للتعبير السياسي. لكن حتى هذا الفضاء نجده محكومًا بسقوف وحدود واضحة. لذلك، غالبًا ما تأتي مواقفنا ساخرة أو رمزية عندما يغطي النظام على رفع الأسعار مثلًا على طريقة "بص العصفورة"، فيلجأ الكثيرون منّا للتعبير عن معارضتهم عن طريق السخرية، بعيدًا عن المواجهة السياسة باهظة الثمن.

بعد فشل جيل الثورة في تحقيق أهدافها، وبعد تمكُّن الثورة المضادة، تحولت النقاشات السياسية في مصر إلى هاجس مرعب، وتحولت الجامعات إلى ثكنات أمنية مع سيطرة حزب الدولة على الأسر الشبابية ومنع النشاط السياسي والحزبي في الجامعات المختلفة. انصرف غالبيتنا عن السياسة، مع حذر عام من الحديث عن الأزمات الاقتصادية وغلاء المعيشة. أصبح الهدف النجاة والاستقرار.

ويبقى أنه من أهم آثار يناير على جيلي أنها شكلت وعيًا سياسيًا متحفظًا؛ نحن لا نثق بسهولة في الخطابات الثورية أو الشعارات الكبرى، ولا ننجذب للحماس. تعلَّمنا من تجربة سابقة لم نصنعها أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء بديل أفضل، وأن النوايا الحسنة لا تكفي لإدارة دولة أو حماية مجتمع من الانهيار. لذلك، أصبح السؤال الحقيقي، ماذا بعد، وكيف؟

هذه القصة من ملف  يناير وGen Z| تكلم حتى أراك


يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

مروان محرز _  من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.

يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين

نهى عبير _  الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟

يناير وGen Z| الشوك اللى طرح في جناينكم

ريم عبدالعزبز_  صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.