يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
يمنحني الزحام، كلما مررت على ميدان التحرير، وقتًا كافيًا لتأمل ما تبقى منه. تلك المسلة العالية والكباش الأربعة المحيطة بها انتُزعت من مكانها في معبد الكرنك بالأقصر لتكون ضمن ما وصفته رويترز قبل سنوات "بعملية تجميل" خضع لها ميدان الثورة. في كل مرة أراه أشعر باغتراب. ليست هذه صورة الميدان المحفورة في وجداني، حتى وإن كنت لم أره على الطبيعة إلا بعدما أتممت الخامسة عشرة من عمري، عندما انتقلنا أخيرًا إلى القاهرة.
أخرج من زحام الميدان فتتلاشى صورته المصطنعة المصمتة وتفرض صورته القديمة نفسها في خيالي مرة أخرى: طوفان من البشر يسير بخطىً ثابتة في مواجهة الرصاص، وأنا أراقب من بعيد.
هذا هو حال جيل تفتَّح وعيه في مصر ما بعد الثورة: مراقبون لمشهد لم يمكننا أبدًا أن نكون جزءًا منه.
كنت في العاشرة حين اندلعت الثورة، وبحكم إقامتي في الغردقة، المدينة الساحلية البعيدة عن العاصمة، كان التليفزيون نافذتي الوحيدة، يعمل بلا توقف، حتى أثناء نومنا؛ فالميدان لم ينم قط.
لجأت إلى الإنترنت في محاولة لفهم النقاشات التي هيمنت على مجالس الكبار؛ عن "الفلول"، والأحزاب، والخيانة، والأحلام. وعندما وصلت عبر الإنترنت إلى نبض الثورة الرقمي الحُر، وجدت نفسي أمام تفاصيل ومشاهد عنف لم يكن من المفترض لطفلة في سني أن تراها، لكنني أصبحت شاهدة عليها على أي حال.
مع ذلك، كانت تلك أول مرة يتجلى لي فيها بوضوح ثنائية الخير والشر.
لم أكن أفهم المظالم الاقتصادية أو النظريات السياسية، لكني كنت أعرف، بيقين الطفولة البريء، أن مَن في الميدان أبطال؛ أبطالي أنا.
لقد وعدوا بوطنٍ أجمل، وبإيمان بنت العاشرة البسيط، صدقتهم. ولأني صدقت، أمسكت بالقلم وكتبت بلغتي الأم لأول مرة:
"كان فيه شباب، زمان كانوا شوية أولاد، كان نفسهم يغيروا في مصر ويخلوها أحسن البلاد. عملوا ثورة اللي نالت كل الإعجاب، غيرت في مصر وكمان في كل البلاد، محدش بقى بيخاف والكل قال رأيه بحرية. وآدي دي يا ولاد هي الحدوتة المصرية".
بعدها وقفت على خشبة مسرح صغير في مدينتي أمام جمعٍ من كل الأطياف لألقي قصيدة حب للثورة وأهلها، لذلك الشعور الجماعي الذي بدا، في تلك اللحظة، يشمل الجميع.
إلى أنْ لم يعدْ كذلك.
الهروب الكبير
ركوب موجة بهذا الارتفاع لا بد أن يعقبه سقوطٌ مُدوٍّ.
لستُ بصدد تعريف المآلات السياسية والاقتصادية، لكن مع دخولي سن المراهقة، عشتُ التفكك الاجتماعي عن قرب. لا من خلال القوانين أو العناوين، بل من خلال ما يُقال وما يُترك بين السطور في غرفة المعيشة. فالتجمعات التي كانت تضج بالنقاشات الحادة والآمال خفتت تدريجيًا إلى الهمس، حتى سكنت تمامًا. الناس نفسهم الذين كانوا يلتصقون بالتليفزيون باتوا يغيّرون القناة فور ظهور الأخبار.
كلما حاولت فهم هذا التحول، جاء الرد تربيتة على الرأس يصاحبها "إنتي إيش عرفك؟ كان لازم تكوني موجودة".
هكذا تحولت الصحوة الأولى إلى تجربة حصرية مغلقة، فاتتني، وسأظل دائمًا أصغر من أن أنتمي إليها. وكانت تلك أول مرة أسمع فيها "إنتم" بدلًا من "إحنا".
انسحب جيل ثوار يناير بهدوء، البعض بإرادتهم، والبعض مجبرًا، تاركًا السفينة الغارقة دون أن يخبرنا تعليمات السلامة في مواجهة الأمواج العاتية.
تلاشت مساحات الحلم المشترك من المنتديات الافتراضية إلى النوادي، وحل محلها الضوء الأزرق في شاشات الموبايلات. تحجَّر ما تبقى من الحوار في مرثية سنوية، كل يناير. طقسٌ من مقالات معاد تدويرها، وصراعات حول من له الحق في إرث الثورة، وتفكيك أكاديمي جديد لإخفاقاتها. أصبح صراعًا على جثة.
ومن ركني المنزوي، عامًا بعد عام، كبرتُ وأنا أشاهد هذا الاستعراض للملكية. نبت شيء من الغضب بداخلي، لا من الذكرى، بل من رفضهم العنيد للنظر للأمام، أو حتى التساؤل: ماذا فعل هذا المسار بالجيل الذي جاء بعدنا؟ ماذا تركنا لهم؟
بدلًا من ذلك، أصبحنا مادةً للسخرية: جيل جاهل، ساذج سياسيًا، منفصل عن الواقع. وفي سردياتهم الدقيقة والمتشعبة التي حللت الجندر والطبقة والأيديولوجيا؛ أسقطوا وجودنا بإهمال. أصبحنا الرواية الهامشية؛ "الشوك" بين أغصان "الورد اللى فتح في جناين مصر" .
وماذا بعد؟
تُرِكنا بلا نمو، جيلٌ عُلّق في الهواء، ثم سقط. وبلا فكرة جماعية نستند عليها؛ تشتتنا.
ما نبت لم يكن كيانًا جماعيًا آخر، بل "حياة رقمية" في ظلال الماضي. هويتنا المشتركة تعيش في متاهات الإنترنت؛ حوّلنا الصدمات المشتركة إلى "ميم"، وحصرنا التضامن في هاشتاج.
صرنا فردانيين، لا بمعنى فلسفي، بل بمعنى دفاعي. كلٌ يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول.
لذا، هل فشلت الثورة؟ بالنسبة لنا، هذا ليس السؤال الصحيح.
في عيوننا، الثورة تفتتت، ونحن شظاياها.
نعم، نحن مبعثرون، قطع حادة حيّة، من كيانٍ كان كاملًا يومًا ما. لكن الشوك ليس نقيض الحكاية، بل دليلها. أثرها المتروك بعد الإهمال. محاولة بقاء.
فحتى في ظل الإهمال، يستمر شيءٌ ما في النمو، بعناد، فرادى، ولكن معًا.
لعل السؤال: هل يمكن للشوك، الذي تُرِك لينمو وحده، أن يتعلم يومًا كيف يُزهر؟
هذه القصة من ملف يناير وGen Z| تكلم حتى أراك
يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا
من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.
يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة
على جيل يناير الآن أن يكتب وأن يعترف بأخطائه ليمنحنا أرضًا أكثر صلابة. عليه أن يمنحنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث.
يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟
يبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".
يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.
يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟
يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال
نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.
يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
رأيت من تمسك بحلم يناير يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، والبقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيار سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرته.
يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع
عشنا معنى الحرية وتشكلت ذواتنا حوله. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع.
يناير وGen Z| عن ثورة لم أرَ سوى توابعها
ما نحتاجه هو بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين، وتدريب الناس على ما يجب فعله في اليوم التالي للنصر.
يناير وGen Z| وُلدتُ يوم الثورة.. وكبرتُ قبل أن تكبر هي
ثورتـي الحقيقية بدأت مع الاحتكاك بالتقاليد في سوهاج، ومع الأسئلة التي يفرضها الجسد الأنثوي في مجتمع يراقبه باستمرار. ثورتي بدأت ضد التوقعات التي تلقى علي فقط لأني امرأة.
يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم
إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.
يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء
في السنوات التالية، تعلمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألم نكن لنكون أسعد لو بقي الشهداء معنا؟ لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة.
يناير وGen Z| أفقنا فأنعسنا الأنين وصوت أمريكا
نعيش جميعًا في عشةِ القمع نتصارع فيها كالديوك، ونقتات على الانتصارات الهزيلة غير مدركين أن الكراهية هي رفاهية لا نملكها، فحياة الكل معرضة للخطر.
يناير وGen Z| نعم.. إحنا "العيال" اللي كانت في ابتدائي!
كبرت وفهمت أن معظم الأحداث تقع في المنطقة الرمادية فلا خير مطلق أو شر مطلق. ورغم الجدل الذي يتجدد كل عام "ثورة ولا مؤامرة" إلا أني حتى الآن لا أستطيع أن أراها إلا بعين الطفل، حلمًا
يناير وGen Z| الثورة التي لم تعد كذلك
فلنحسب من منا ضحى بنفسه أكثر، كم منكم في السجون وكم منا في السجون أو المنفى؟ كم منكم له ألف مدافع وكم منا غاب عن النظر والسمع، لا نعرف عنهم شيئًا لأنكم مشغولون بأنفسكم.
يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين
مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله، وليس مجرد قضية مطروحة للنقاش.
يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا
إن التهميش الواقع علينا وحرماننا من أي عمل جماعي، يتم بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب جيلنا بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.
يناير وGen Z| مش باقي مني غير...؟
لم يتركوا لنا سوى صور الميدان وشظايا أحلام. عندما أقرأ عن يناير أفكر أنه كان حريًّا بهم أن يفعلوا كذا وكذا. ثم أذكر ما فعلنا نحن، بالأحرى ما لم نفعل حين بدأت حرب الإبادة على غزة.
يناير وGen Z| الأمل الذي يثير الخوف
تعلمت من الثورة مَن يقف مع مَن، فهمت أن هناك معسكرات، وأن الناس لا يتفقون، وعندما يخاف البعض، يكون هناك آخرون سعداء.
يناير وGen Z| ما لم نتعلمه بعد الهزيمة
لم تُهزم يناير في 2013 فقط، حتى لو افترضنا أن ما حدث كان سذاجةً أو فشلًا سياسيًا، فنحن منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم نتجاوز الماضي ونفتح نقاشًا حقيقيًا حول الحلول البديلة.
يناير وGen Z| مكسبها الأوحد تعرية "الجماعة"
الخلاص من التيار الإسلامي لم يكن ليتأتى سوى بفعل جماعي بحجم ثورة يناير التي فتحت المجال للجميع للتعبير عن آرائهم، ومنهم التيار الإسلامي، فنضح الإناء بما فيه وطفحت قناعاتهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


