يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
لا أملك الكثير من الذكريات عن لحظة 25 يناير. كنتُ في الصف الثالث الإعدادي. تابعتُ الثورةَ على التليفزيون ما بين قنوات تهاجم الثوار والثائرات وتصفهم بأبشع الألفاظ وتلصق بهم تهم التآمر والتخريب وتستضيف ضباطًا يجزمون بأن أعداد من في الميدان لا تتجاوز الآلاف، وقنوات أخرى تعرض الميدان مزدحمًا بالملايين وتؤيد احتجاجاتهم.
وبينما يصف والدي الثوار بأنهم "شباب ضال"، كانت والدتي تتابع الأحداث على السوشيال ميديا، حتى انقطع الإنترنت وشوش إرسال القنوات المؤيدة. أصبحت الثورة لغزًا بالنسبة لي.
لم أنزل للشارع في محافظتي الصغيرة دمياط إلا بعد مغادرة الثوار للميادين عقب تنحي مبارك، ليجيب الجرافيتي وحده عن تساؤلاتي. شاهدت القنوات التي سبَّت الثوار والثائرات قبل أيام تمجد فيهم وتستضيفهم في مشهد متناقض. قيل حينها إن الثورة انتصرت، والنظام الحاكم رحل، وتحدّث الثوار بحرية وباحوا بآرائهم ورؤيتهم، هؤلاء هم نفسهم الذين اعتقلوا بعد فشل الثورة، أو تماهوا مع نظام الحكم الجديد وتغير جلدهم.
أصبح الاختلاف في الرأي يفسد الود والقضية
تركتْ الثورة علامات استفهام كثيرة. بحثت عن إجابات في كتب التاريخ. تجربة البلاشفة قامت على توعية العمال بحقوقهم، والثورة الفرنسية بدأت بالتوعية من المسرح. وتجارب أخرى عملت على توحيد صفوف شعوب تنتمي لتوجهات ومعتقدات مختلفة لتكوين جبهة موحدة وحشد الجمهور على موقف واحد، مثلما حدث في 2011.
جمعت الثورة مختلفي الأديان واللادينيين، ومختلفي الميول الجنسية والهويات الجندرية؛ التيار الإسلامي مع العلماني واليساري، المسلم مع المسيحي بلا استعراض هزلي للوحدة الوطنية، لكنها كانت العشاء الأخير للمصريات والمصريين.
نجح النظام في اغتيالها بتفكيك الكتلة الشعبية، وأصبح الاختلاف في الرأي يفسد الود والقضية، ولا تجد تلك التيارات سبيلًا للحوار.
سرطان الثورة
ساهمت الطبقية الثقافية، سرطان الثورة، فيما جرى من تفكك. لا يمكن لأحد أن يستمع لمن يريد الانفراد بالمنبر وكأن آراء تياره أُنزلت من السماء، ولا مَن يَفترض أن ليس لمن يصغرونه الحق في الاعتراض. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا، والأصغر منهم سفهاء بلا وعي؟
عند التقاء القطبين يحدث التنافر تلقائيًّا بين جيل الميدان وجيل ما بعد الثورة، كأن حق الكلمة فقط لمن خرج للميدان دون سواه. ثمَّ هل دور المثقف إلقاء مصطلحات يصعب على الناس فهمها، ثم السخرية منهم ووصفهم بالجهلة والعوام!
أحسبُ نفسي على الجيل الذي وجد في السوشيال ميديا سلاحه
من وشا على جيفارا كان فلاحًا من الذين حارب لأجل حريتهم، لأنه يزعج قطيع أغنامه. ذلك الدرس لم يتعلّمه ثوّارنا؛ أن توعية الشعب بالدوافع والنتائج المحتملة والرؤية المستقبلية كان ضرورةً قبل الحشد لإسقاط النظام. اليوم يلعن الكثيرون سيرة الثورة والثوار، ويتمنون لو لم تكن، ويأملون عدم تكرارها، ويلومونها لأنها خرَّبت حياتهم وسببت غلاء المعيشة وتدهور الأحوال.
كلما زاد التضييق على الحريات أو وقعت حوادث طائفية، يُلام الثورة وثوارها. كذلك الحال في ذكرى يناير من كل عام فبسبب التفتيشات العشوائية في الشوارع وأحيانًا الاعتقالات تتحول الذكرى لكابوس يفزع الجميع، ويزيد من حنق الناس على الثورة.
الصراع على السردية
آمنت بما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن تزييف التاريخ، فرغم أن عقودًا لم تمر على ثورة يناير فإننا نجد تناقضًا واختلافًا في السرديات؛ تارة ينسب كل تيار الفضل لذاته، وتارة ينفي ما أجرم به. فشلتْ الكتلة المشاركة في توثيق وعرض سردية متماسكة للثورة، فكيف لأحزاب وتيارات ونشطاء يختلفون على السردية أن يتوحدوا ثانيًا، وكيف نثق في مَن يُقصون المختلفين عنهم من مشهد الثورة!
حتى الآن يتبرأ الكثير من الثوار من وجود مختلفي الميول والهويات الجندرية في الميدان ومن دورهم في الثورة. والكثيرون يرفضون الدفاع عن معتقلي الرأي الذين كانوا يومًا ثوارًا، أو مَن آمنوا بيناير وساروا على خُطاها بسبب انتمائهم لتيار مختلف عنهم. بل ويفضّلون رؤيتهم في زنازين فردية بلا زيارات ولا تريض ولا رعاية طبية، وعند موتهم يبدون الشماتة. هذا التفكك الذي وصلنا له يصعب توحيد المجتمع بعده، ولكنه ليس بمستحيل.
من الجيد أن ثوار يناير تركوا لنا مساحةً نستطيع فيها طرح قضايانا في الواقع الافتراضي، فأنا أحسبُ نفسي على الجيل الذي وجد في السوشيال ميديا سلاحه. يساعد النشر والشير في سرعة التصدي لحوادث التحرش والعنف المبني على النوع الاجتماعي، ونشر التوعية الجنسية، رغم المخاطر الأمنية التي تحيط بكل من يعلو صوته أو يحصد الكثير من المشاهدات.
هذه القصة من ملف يناير وGen Z| تكلم حتى أراك
يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا
من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.
يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة
على جيل يناير الآن أن يكتب وأن يعترف بأخطائه ليمنحنا أرضًا أكثر صلابة. عليه أن يمنحنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث.
يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟
يبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".
يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.
يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟
يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال
نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.
يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
رأيت من تمسك بحلم يناير يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، والبقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيار سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرته.
يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع
عشنا معنى الحرية وتشكلت ذواتنا حوله. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع.
يناير وGen Z| عن ثورة لم أرَ سوى توابعها
ما نحتاجه هو بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين، وتدريب الناس على ما يجب فعله في اليوم التالي للنصر.
يناير وGen Z| وُلدتُ يوم الثورة.. وكبرتُ قبل أن تكبر هي
ثورتـي الحقيقية بدأت مع الاحتكاك بالتقاليد في سوهاج، ومع الأسئلة التي يفرضها الجسد الأنثوي في مجتمع يراقبه باستمرار. ثورتي بدأت ضد التوقعات التي تلقى علي فقط لأني امرأة.
يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم
إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.
يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء
في السنوات التالية، تعلمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألم نكن لنكون أسعد لو بقي الشهداء معنا؟ لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة.
يناير وGen Z| أفقنا فأنعسنا الأنين وصوت أمريكا
نعيش جميعًا في عشةِ القمع نتصارع فيها كالديوك، ونقتات على الانتصارات الهزيلة غير مدركين أن الكراهية هي رفاهية لا نملكها، فحياة الكل معرضة للخطر.
يناير وGen Z| نعم.. إحنا "العيال" اللي كانت في ابتدائي!
كبرت وفهمت أن معظم الأحداث تقع في المنطقة الرمادية فلا خير مطلق أو شر مطلق. ورغم الجدل الذي يتجدد كل عام "ثورة ولا مؤامرة" إلا أني حتى الآن لا أستطيع أن أراها إلا بعين الطفل، حلمًا
يناير وGen Z| الثورة التي لم تعد كذلك
فلنحسب من منا ضحى بنفسه أكثر، كم منكم في السجون وكم منا في السجون أو المنفى؟ كم منكم له ألف مدافع وكم منا غاب عن النظر والسمع، لا نعرف عنهم شيئًا لأنكم مشغولون بأنفسكم.
يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين
مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله، وليس مجرد قضية مطروحة للنقاش.
يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا
إن التهميش الواقع علينا وحرماننا من أي عمل جماعي، يتم بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب جيلنا بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.
يناير وGen Z| مش باقي مني غير...؟
لم يتركوا لنا سوى صور الميدان وشظايا أحلام. عندما أقرأ عن يناير أفكر أنه كان حريًّا بهم أن يفعلوا كذا وكذا. ثم أذكر ما فعلنا نحن، بالأحرى ما لم نفعل حين بدأت حرب الإبادة على غزة.
يناير وGen Z| الأمل الذي يثير الخوف
تعلمت من الثورة مَن يقف مع مَن، فهمت أن هناك معسكرات، وأن الناس لا يتفقون، وعندما يخاف البعض، يكون هناك آخرون سعداء.
يناير وGen Z| ما لم نتعلمه بعد الهزيمة
لم تُهزم يناير في 2013 فقط، حتى لو افترضنا أن ما حدث كان سذاجةً أو فشلًا سياسيًا، فنحن منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم نتجاوز الماضي ونفتح نقاشًا حقيقيًا حول الحلول البديلة.
يناير وGen Z| مكسبها الأوحد تعرية "الجماعة"
الخلاص من التيار الإسلامي لم يكن ليتأتى سوى بفعل جماعي بحجم ثورة يناير التي فتحت المجال للجميع للتعبير عن آرائهم، ومنهم التيار الإسلامي، فنضح الإناء بما فيه وطفحت قناعاتهم.
يناير وGen Z| رسالة إلى الزعيم
سيدي الزعيم، لأجل النبي وأهل بيته والأولياء الصالحين، أرجوك غيّر طقم إعلامك. اعتمد على كروان مشاكل في الوصول للناس وسماع شكاويهم.
يناير وGen Z| الطفل يرصد لكم لماذا فشلت الثورة
التقدم مرهون بالتحرر من آفات السابقين؛ فإن أخطاء مثل العمى الأيديولوجي أو الفكري يجب أن نتجنبها، وعلينا أن ندرك طبيعة الشعب المصري ونعرف مفاتيحه. هنا تكمن أهمية النقد والإصلاح.
يناير وGen Z| بين جيل 46 وجيل يناير وجيل زد
من المشاكل الرئيسية في التعاطي مع الثورة أن فكرة الاجيال كانت حاضرة في يناير نفسها في الخطاب الإعلامي و خصوصًا في خطاب من تصدروا للكلام باسم الثورة وأنهم "جيل الثورة"
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.