تصميم أحمد بلال، المنصة
من مشاهد ثورة يناير

يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء

منشور الأربعاء 28 كانون الثاني/يناير 2026

تصفُ الكاتبة الفلسطينية خديجة دجاني القهر بأنه غضب يُطهى ببطء مع الظلم والاضطهاد ونزع الإنسانية، يُترك ليغلي عبر الأجيال حتى يستقر في الجسد، ويصبح جزءًا من خلاياه، ويُورَّث من جيل لجيل.

كلما مررت باتجاه المطبخ في شقة والدي، أُلاحظ الورقة المتهالكة المتربة المُعلقة على لوح الفلّين، مطبوعًا عليها ثلاث كلمات "عيش – حرية – عدالة اجتماعية". هذه الورقة هي الدليل الوحيد الذي أملكه، على أني شهدت يوم الجمعة، 28 يناير 2011. حينها كان عمري 13 عامًا.

بعد تلك الجمعة بأسابيع، سُرق هاتف والدتي، وسرقت معه كل الذكريات، ذكريات "جمعة الغضب". سرقت صور "الحاجّة" في العباسية وهي تلقي بأكياس الشيبسي للمتظاهرين وتدعو الله لنصرتهم. سُرق مقطع الرجل التونسي الذي حضّر محلولًا لتخفيف أثر الغاز المسيل للدموع، ولقطات لي وأنا أوزع المناديل على المتظاهرين لتغطية أنوفهم في طريقهم نحو الدبابات المصطفة في ميدان رمسيس. 

جغرافيا اجتماعية

في بيت والدها يحيى خليل ورقة على الحائط تحمل شعار الثورة.

قبل جمعة الغضب بيومين، طلب منا مدرس مادة الكمبيوتر في المدرسة الأمريكية الدولية فتح يوتيوب، وأن نكتب في خانة البحث "ميدان التحرير"، فسأل أحد زملائي "أين يقع ميدان التحرير؟".

يسكن معظم طلاب صفي في القاهرة الجديدة، في كُمباوندات مغلقة، تلفها أسوار ويقف على أبوابها حراس يفتشون الزوار والموظفين. يعيشون في فيلات لا تتحدث العاملات فيها العربية، بينما كنت أعيش في نفس الشقة التي وُلد فيها والدي.

في مرة، سألتني إحدى زميلاتي عن عنوان بيتي، قلت "مصر الجديدة"، فنظرت إليّ محتارة. شعرت أنني غريبة في بلدي. شرحت لها أين تقع منطقة مصر الجديدة من القاهرة.

كذلك شرح مدرس الكمبيوتر لزميلي موقع ميدان التحرير "إنه ميدان كبير في وسط البلد، قرب دار الأوبرا بالزمالك".

شاهدنا مقاطع الفيديو: حشود تهتف، تجري، تصرخ. دخان في كل مكان. أخبرنا الأستاذ بأن الكثيرين قُتلوا، والمئات اعتُقلوا.

"إيه ده بجد؟"، قالت فتاة بهدوء "عندي أصحاب في الزمالك"، لم يكترث أحد بالمتظاهرين الذين شاهدناهم يصرخون أثناء الاعتداء عليهم في الفيديوهات.

في تلك الليلة، سألت والدتي "يعني إيه مظاهرة؟"، فأجابتني "لما الناس مايعجبهاش حاجة، وتعبّر عن ده". ثم سألتني بدورها، "مين اللي قال لك عن المظاهرة؟"، قلت "مدرس الكمبيوتر".

أومأت برأسها، "خلينا نشوف هيحصل إيه".

ثم كانت الجمعة الأولى، "جمعة الغضب". لم أكن أعلم أن هذا اليوم سيكون بداية صراعي الطويل من أجل العدالة. في غرفة المعيشة، بدأ يتصاعد صوتٌ إيقاعيٌّ، رنانٌّ، ومُلِحٌّ. تفاجأت والدتي وسألت "سامعين؟" خفضت صوت التليفزيون، ركضنا إلى الشباك ونظرنا إلى الخارج.

جيش من الناس يسير من ميدان سفير باتجاه بنايتنا. شيوخ، شباب، محجبات، غير محجبات، بحر من الأجساد يتحرك كوحدة واحدة. لم أسمع مثل هذه الهتافات من قبل، لا في المباريات، ولا في الصلوات. لوّح بعضهم لنا يدعونا للانضمام، فنزلنا.

عند حلول الليل، احتمينا أنا ووالدتي بمحل حلاقة متواضع بمنطقة غمرة، قرب ميدان رمسيس، بينما كان رجال الشرطة يتصارعون مع المتظاهرين المتجهين نحو التحرير. على التليفزيون، أعلن المذيع فرض حظر التجوال في العاصمة ومدن أخرى، وكانت الاتصالات قطعت.

عند عودتي للمنزل، لم أتوقف عن الكلام عمّا حدث، "الشرطة كانت بتجري ورانا بالعصيان"، قلت لصديقتي عبر التليفون الأرضي، "استخبينا في جراج كنتاكي، وبتوع الدليفري ساعدونا".

استمر حظر التجوال وأُغلقت المدارس، أصبح فيسبوك الميدان العام لمن هم في سني.

اكتشفت أن آباء الكثير من زملائي في الحكومة، كان أحدهم حتى مُقربًا من زوجة الرئيس. لم أعد محبوبة في المدرسة بعد ذلك اليوم. اهتماماتي، بدا أنها كانت لي وحدي.

فواتير الثورة

أعتقد أن الثورة كانت الشرخ الحقيقي في جدار الفصل الطبقي. لأول مرة، اندمجت طبقات المجتمع. رأيت الناس من كل أرجاء المدينة يؤمنون، ولو للحظة، أننا قادرون على كتابة مستقبلنا بأنفسنا.

لم تعانِ عائلتي تحت حكم مبارك، لكنني ورثت إيمان والدتي بأن العدالة تعني أن جاري يستحق نفس الكرامة التي أستحقها.

شعرت بالانتماء، وكلفني هذا الانتماء الكثير، أبعدني عن الحياة التي عرفتها، حياة الفتاة التي اعتادت الذهاب إلى نادي هليوبوليس كل جمعة بعد انتهاء درس البيانو في دار الأوبرا. كانت حياتي منغمسة في الرفاهية والثقافة الغربية، ودفعني الانتماء نحو الحقائق التي لم يرغب أحد في أن يراها. حقائق الانفصال الطبقي، الظلم، الفقر، والفساد.

في السنوات التالية، تعلَّمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألن نكون أسعدَ الآن لو بقي الشهداء معنا، لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسَب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة. أصبح اسم "علاء عبد الفتاح" فزّاعة لكل من يفكر في الكلام.

أحيانًا، يصبح العمل الصامت والمثابر، بأبسط الطرق الممكنة، هو ما يجعل العالم أكثر عدالة

شاهدت شباب الألتراس يُذبحون والإعلام يحاول تشويههم. شاهدت امرأة تُعرَّى وتُضرب في الشارع ليصبح اسمها "blue bra girl"، وتعلمت كيف تصبح أجساد النساء ساحات معارك.

بحلول عام 2014 صار لفظ "ثورة" نفسه محرّمًا، كنت في السادسة عشرة من عمري، منهكة من الخسارة واليأس. حملتُ غضبًا صامتًا تجاه أمي لزرعها ذلك الحلم في داخلي، لم يزهر الحلم. كنت على استعداد للمقايضة بأي شيء مقابل راحة عدم المعرفة، والنسيان. 

بعد سنوات، وجوه الميدان نفسها ظهرت مجددًا في شوارع برلين وحانات نيويورك، وحفلات ليلية في بعض البيوت في القاهرة. كان ذلك المسار واضحًا، من الثورة إلى الهروب عن الواقع والتناسي.

في الجامعة الأمريكية، علمني أستاذ العلوم السياسية كلمة "انتفاضة". قال لي إنّ الثورات تتطلب التغيير، لم يتغير شيء. وعلَّمني أن مصطلح "الربيع العربي" صاغه باحث أمريكي. حتى يومنا هذا، يراودني يوميًا سؤال واحد، لو كانوا هم مَن يصيغون تسميتنا، فكم من الأمر كان حقًا لنا؟

تجرّأنا على الحلم في 2011، فتعلّمنا مبكرًا أن دمنا يُسفك بلا مساءلة. وبعد أكثر من عقد، كشفت غزة الحقيقة ذاتها أمام العالم، عاريةً من أي إنكار.

القهر لا يختفي. يتحول. ينتقل عبر الأجساد والذاكرة والأجيال. يعيش في الهتافات، في الصمت، في ما نرفض نسيانه، في ما نختار حمله للأمام. وأحيانًا، العمل الصامت والمثابر، بأبسط الطرق الممكنة، هو ما يجعل العالم أكثر عدالة.

بعد محاولات طويلة للبقاء، ولخلق حياة سعيدة، غادرتُ قاهرتي أخيرًا قبل بضع سنوات. ما زلت أبحث عنها في كل شخص أقابله في الغربة، في دعاباتها، في ذكائها، في شخصيتها، وفي صلابتها التي لا تنكسر.

سيظل سعيي من أجل العدالة الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من شخصيتي ومن حياتي اليومية. فالقيم التي تجذّرت في يناير لا تقتصر على النشاط السياسي، بل تمتد إلى كل قرار أتخذه في حياتي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.