تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
شاب يرفع العلم فوق "أسد قصر النيل"، من مشاهد ثورة يناير

يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع

وشاهدوا الدماء تسفك بلا مساءلة

منشور الأحد 25 كانون الثاني/يناير 2026

ربما لم تكن ثورة يناير أول علاقتي بعالم السياسة، رغم أني كنت وقتها في الحادية عشرة. أتذكر قبلها ببضع سنوات كنت أرسم كاريكاتيرات ساخرة من الوضع السياسي في كراسة الرسم الخاصة بي قبل أن أتجاوز السادسة. لكنَّ تأثيرَ الثورة على أبناء جيلي، أو بعضهم على الأقل، كان مختلفًا عن بقية الأجيال.

لم نكن كبارًا بما يكفي لنقف في الصفوف أو نُدلي بآراءٍ سياسية، ولم نكن صغارًا لا نستوعب ما يجري. كلٌّ منَّا في موقعه، ساهم ما رآه بعينه أو سمعه في بيته في تكوين أفكاره وشخصيته.

"على فكرة الراجل شكله طيب وبيقول كلام حلو أهو وبيحب مصر واللي حواليه هم اللي مبوظين البلد". "حواليه إيه؟ مش هو اللي مختارهم؟.. بقاله 30 سنة بيختار غلط؟.. وبعدين ده الناس بتموت!". "هو إزاي اللي بيحصل في قنوات غير اللي بيحصل في قنوات تانية؟ وإيه الجِمال اللي بتجري هناك دي".

خدعة "لم أكن أنتوي"

كانت أسرتنا تتجمع أمام التليفزيون في إحدى الغرف نتدفأ تحت البطاطين من برد الشتاء ونتابع ما يجري بمشاعر مضطربة، الحماس أحيانًا، الخوف والقلق من الإنفلات الأمني في أحيانٍ أخرى، إلا أننا كنا نميل بوضوح لتأييد الثورة.

في ذلك الوقت كنت أحاول أن أبني أفكاري، ربما تأثرت لوهلة بخطاب"لم أكن أنتوي"، لكن سرعان ما أدركت أنه خطاب مخادع بامتياز ومحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كنت أتعجب من الذين يصدقون تلك الخطابات التي لم تخدع وقتها طفلًا في الحادية عشرة. لحسن الحظ أنها لم تنطلِ على الثوار أيضًا.

في تلك الفترة سمعنا كأطفال كمًّا هائلًا من المصطلحات التي لم ندرك معناها لكن أحببنا وقعها على الأذن: "أيديولوجية"، "أجندة دولية"، "قلة مندسة"، "حظر تجول"، "لجان شعبية"، "تنحي"، "والله الموفق والمستعان"، "طرف تالت"، وبالطبع أكثرهم انتشارًا "فلول". 

لم يتنامَ معجمنا اللغوي السياسي فقط، بل أيضًا تعرّفنا على أنواع شتى من الأسلحة "رصاص حي"، "رصاص مطاطي"، "خرطوش"، "غاز مسيل للدموع"، "مولوتوف". أتذكر حين اقترح أخي أن نصنع مولوتوف في المنزل لسهولته، ثم نرميه من شرفة المنزل إن هجم البلطجية على شارعنا.

أتذكر جدال أخي الأكبر ببضع سنوات مع والديّ ليسمحا له بالنزول إلى الميدان في الحادي عشر من فبراير. كنت أشعر بفخر شديد بمصريتي في ذلك الوقت، أخيرًا هنالك إنجازات مصرية أفتخر بها غير كأس الأمم الإفريقية.

كان ذلك اليوم مجرد بداية، وكانت "الثورة مستمرة". توالت الأحداث كما تعرفون جميعًا، واستمر الشعب يصنع التاريخ وينزل بأعداد مهولة في استفتاء تعديل الدستور. ولا أخفيكم سرًا أنا لا أعلم ما أهمية ذلك الاستفتاء حتى الآن، ولكن كل ما عرفته وقتها أن "الصناديق قالت للدين نعم".

في تلك الفترة بدأنا نميل لأشخاص وأفكار معينة، بدأنا نتابع هذا الشاعر، ونقرأ لذلك الكاتب، ونسمع لذاك السياسي، إلا أننا لم نكن متجمدين حول أفكار معينة. كان من المعتاد أن نعتبر فلانًا بطلًا اليوم ثم يصبح خائنًا غدًا.

كابوس لم ينته

كنا أطفالًا في الصف السادس الابتدائي حين نظمنا، بأنفسنا، انتخابات حرة نزيهة من أجل اختيار رائد الفصل، شهدت جولة إعادة حين لم يحصد أحد الأغلبية. أتذكر أننا جعلنا لكل مرشح رمزًا، واخترت لنفسي رمز النسر بالطبع. وصممنا دعايا انتخابية ونشرناها على فيسبوك.

ثم كنا في الصف الأول الإعدادي ترتفع أصواتنا في الفصل بالجدال حول الأحزاب السياسية آنذاك ويكاد يصل الأمر للشجار. أو حين يستشيط المعلم غضبًا ويبدأ بالتهديد والوعيد ويلوح بعصاه، فيرد أحدنا بصوت يملأه الكبر والفخر "الضرب اتمنع في المدارس".

في إحدى المرات كنا نشاهد لقطات من "محاكمة القرن" على التليفزيون، وغفا أبي، وبعد دقائق استيقظ فزعًا يصرخ، وحين هدأ أخبرنا أنه رأى كابوسًا فيه كل هؤلاء يعودون للسلطة ويعود الظلم مرة أخرى.

لم نتخيل أن الواقع سيصبح أسوأ من ذلك الكابوس، وأن هذه التجربة التي عشناها لن تدوم طويلًا حيث انتهت بأحداث 30 يونيو وما تلاها من مجازر تركت أثرًا نفسيًا هائلًا عند الكثيرين من أبناء جيلي.

كانت تلك المرحلة فارقة لي على المستوى الشخصي، شعرت بالغربة تجاه العالم كله، فلم يكن سهلًا أن ترى كل تلك الدماء في عمر الثالثة عشرة ثم تشاهد استمرار الحياة بشكل طبيعي دون أن يكترث أحد.

رغم مرور السنوات، لا تزال الثورة ذكرى خاصة بالنسبة لي ولأبناء جيلي. ربما ترى أن ما نشعر به مجرد نوستالجيا، وأن تأثير الثورة على جيلنا هو مجرد حنين للطفولة. كل هذا صحيح بالتأكيد، لكن لا تنسَ أن العاطفة هي ما يحرك الإنسان.

لقد عشنا معنى الحرية ولو كمتفرجين، وتشكلت ذواتنا حول هذا المعنى. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع. تعلّمنا قيمة رفض الظلم والتصدي له ولو في مواقف بسيطة. كما تعلّمنا كثيرًا من الأخطاء التي شاهدناها تحدث، تعلمنا أنه لا توجد ثوابت. تشجعنا على اكتشاف العالم وأنفسنا وديننا ومعتقداتنا وشخصياتنا.

ربما لا يأبه الكثيرون منا الآن بالثورة وبما حدث، لكن هنالك بيننا من يحفظ أغانيها ويحن بشدة في ذكراها. هناك مَن يرى أبطالها الذين كانوا شبابًا كأبطال الملاحم والروايات.. وكما قالت رضوى عاشور "الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى".

هذه القصة من ملف  يناير وGen Z| تكلم حتى أراك


يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

مروان محرز _  من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.

يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم

ريم عبدالعزبز_  صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.

يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين

نهى عبير _  الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟

يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال

نهال سلامة_  نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.